أخبار دولية

قراءة في نتائج وتداعيات الاتفاق النووي على الاقتصاد الإيراني

استأثر الاتفاق النووي الموقع بين إيران ودول 5+1 بتاريخ 14 يوليو 2015، باهتمام دول العالم كافة، كما حظي بمناقشات لدى كافة وسائل الإعلام الإقليمية والدولية. أما ردود الفعل الدولية، فقد انقسمت بين مؤيدين للاتفاق ومعارضين صريحين له مثل (إسرائيل) والسعودية، ومرحبين بحذر.

نبذة تاريخية

لقد جاء الاتفاق ثمرة لمناقشات شاقة خاضها الوفد الإيراني مع دول أوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستمرت المناقشات 12 عاماً بعد جدل بدأ يتصاعد منذ عام 2002 في أعقاب الكشف عن منشأتين سريتين في نطز وآراك وسط إيران، حيث تمنّعت إيران في البداية عن الخضوع لمطالبات الدول الغربية وواشنطن بتفتيش المنشأتين، ما دفع مجلس الأمن لفرض أولى العقوبات على إيران عام 2006.

في أعقاب ذلك، تتابعت العقوبات إلى أن أصبحت عقوبات شاملة كان أهمها: ما فرض بشكل جماعي من قبل المجتمع الدولي من خلال مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، وما فرض بشكل فردي من خلال دول بعينها مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

إيران في ظل العقوبات:

لا شك أن العقوبات المفروضة على طهران، ألحقت أذىً كبيراً بإيران على كافة الأصعدة، فقد حرمت إيران من التكنولوجيا الحديثة، ومنعت الشركات الأجنبية والإيرانية من الاستثمار في الصناعات النفطية والبتروكيماوية، وأفضت العقوبات إلى إغلاق الأسواق العالمية أمام منتجات الشركات الإيرانية، كما تم استهداف البنوك والمؤسسات المالية، وتم حرمان إيران من تحديث أسطولها الجوي.

ومن أكثر القطاعات التي تضررت بشكل بالغ، الاقتصاد الإيراني، فقد تراجعت صادرات النفط بنسبة 40% وتم فرض قيود شديدة على تحويلات الإيرانيين في الخارج. ووصلت معدلات التضخم إلى 25%، فيما قدرتها مصادر أخرى بــ 40%، وبلغت نسبة البطالة 20%، وفقد الريــال (العملة المحلية) نصف قيمته تقريباً أمام الدولار، حيث ارتفع سعر الصرف من 13,7 ألف ريــال، مقابل الدولار إلى 28 ألف ريــال للدولار الواحد.

ولقد حرمت العقوبات إيران من عائدات بيع النفط تقدّر بمليارات الدولارات ما أدى إلى خفض احتياطات إيران من النقد الأجنبي من 100 مليار دولار عام 2011، إلى 80 مليار دولار بحلول عام 2013، وتكبدت إيران خسائر تجاوزت 120 مليار دولار بفعل العقوبات الشاملة.

هذه التأثيرات المؤلمة التي أحدثتها العقوبات على الاقتصاد الإيراني، جاءت لتضاف إلى مشاكل وأزمات اقتصادية وسياسية قائمة منذ عقود، مثل البيروقراطية، حيث صنّفت إيران في المرتبة 130 من بين 189 دولة تعاني من البيروقراطية. وكذلك الفساد والاختلاس اللذان ينهشان في الجسد الإيراني، حتى الصناعة التي ازدهرت لفترة قصيرة بعد نجاح الثورة عام 1979، أصبحت تعاني من تدني الكفاءة ونقص رأس المال،ولقد أشار إلى هذه الأوضاع المرشد الأعلى علي خامنئي عندما أشار إلى أن الأسباب الرئيسية للمشاكل الاقتصادية تنبع من داخل البلاد ولا علاقة لها بالعقوبات.

أزمة الملف النووي:

ما أن بدأت أزمة الملف النووي بين إيران والمجتمع الدولي، حتى تحولت إلى محور رئيسي في التفاعلات الداخلية، بل أنها أصبحت واحدة من أهم آليات الانقسام والفرز بين القوى السياسية خصوصاً داخل تيار المحافظين الأصوليين. وصدر عن بعض المراقبين المهتمين بالشأن الإيراني، تقارير تشير بأن التداعيات التي فرضتها الأزمة كانت أهم الأسباب في وصول شخصية معتدلة معروفة بسعيها إلى الانفتاح على الخارج مثل د. حسن روحاني إلى الرئاسة.

سقف مقابل سقف:

وصف الدكتور محمد مجاهد الزيات رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط في حلقة نقاشية ضمت عدداً من كبار المفكرين والمحللين السياسيين الإستراتيجيين في مصر، الاتفاق النووي بعبارة (سقف مقابل سقف)، أي تحديد سقف للبرنامج النووي الإيراني، مقابل سقف للعقوبات الغربية والأمريكية، وفي الشأن الداخلي الإيراني، فشلت دول 5+1 في إحداث تغييرات في علاقات القوى الداخلية أو السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وجاءت رسالة السيد خامنئي إلى الغرب بأنه (تم استبعاد 90% من مرشحي الوسط الإصلاحي) من الترشح للبرلمان. وقال د. محمد المذبحي في جريدة القدس العربي، أن البرلمان الإيراني الذي أوجدته مراكز صنع القرار في إيران، أكد على ضرورة الالتزام بالأطر التي يحددها المرشد الأعلى.

في ضوء ذلك كله، جاءت الاتفاقية الشاملة المعروفة.

ومن خلال قراءة الاتفاق النووي الشامل نستطيع أن نلحظ كم قدمت إيران من تنازلات وتنازلات مؤلمة.

الحصاد الإيراني من الاتفاق:

لم يكن أمام إيران بديل عن خوض هذه المفاوضات التي وصفت بالشاقة والقاسية، لأن العقوبات التي فرضتها الدول الغربية كانت وحشية للغاية ومؤلمة، وفعلت فعلها في الداخل الإيراني لدرجة أن الناس بدأت تصرخ، والنزاعات الاثنية والعرقية والاجتماعية أخذت تطل برأسها وتهدد الثورة، وكانت الفئات الطبقية من الرأسماليين والطغمة المالية وبقايا المفتونين بالغرب وعملاء واشنطن تدفعهم المؤامرات ووسائل الإعلام التحريضية ضد النظام تتحرك بالخفاء وبالعلن. ولعبت الرجعيات في المنطقة وعلى رأسها بعض دول الخليج والكيان الصهيوني دوراً تخريبياً ممنهجاً. ونذكر في هذا المجال، التهديدات وتبادل الأدوار بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة في التلويح بشن حرب همجية ضد المنشآت النووية وغير النووية في إيران.

لقد قدمت إيران تنازلات مؤلمة، قياساً بالمشروع الذي كانت تطمح لتحقيقه، ولكنها بقيت صامدة ولم تفرّط بالركائز الأساسية لمشروعها، مقابل رفع العقوبات عن صادرات النفط والأرصدة المجمدة، وإلغاء قرارات مجلس الأمن السبعة المتضمنة فرض المقاطعة مع استمرار عمل المنشآت النووية، ومواصلة التخصيب والأبحاث وتطوير أجهزة الطرد المركزي. واعتمدت إيران أسساً اقتصادية جديدة مثل:

_ التركيز على الاستثمارات الداخلية والاعتماد على الكوادر المحلية و 80% من مواردها الداخلية.

_ خضوع الاستثمارات الخارجية لشروط معينة بحيث تحصل إيران على حصة فيها تصل إلى أكثر من 50%.

_ بناء اقتصاد غير ريعي لا يعتمد على العائدات النفطية بحيث لا تساهم هذه العائدات بأكثر من 30% من الناتج المحلي الإجمالي بدلاً من 70% في السابق.

_ ستبقى الصين وروسيا الشريكان الرئيسيان في التجارة بما مقداره 50 مليار دولار مع الصين ترتفع إلى 60 مليار دولار، و10 مليار دولار مع روسيا بدلاً من 1,5 مليار دولار.

_ ستفرض إيران شروطاً على الدول التي توقع معها معاهدات أو بروتوكولات إذا ما خضعت تلك الدول للضغوط الأمريكية.

ردود الفعل الدولية:

_ تصريح الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأن الاتفاق لن يحل كل خلافاتنا مع إيران، وأن خيارات أمريكا تبقى مفتوحة إن انتهكت إيران الاتفاق.

_ وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، وكالة الطاقة ستفتش أي موقع إيراني وستقابل من تريد.

_ مسؤول أمريكي: العقوبات لن ترفع عن الحرس الثوري لدعمه الإرهاب.

_ جون كيري: الاتفاق يمثل خطوة هامة.

_ وزير الخارجية البريطاني ديفيد هاموند: تتوقع بريطانيا أن يكون الاتفاق بمثابة خطوة للتغيير في علاقات إيران بجيرانها وبالمجتمع الدولي.

_ وزير خارجة الصين: الاتفاقية ستحمي نظام حظر الانتشار النووي.

ردود الفعل الإقليمية:

_ اتفقت كل من السعودية و”إسرائيل” على رفض الاتفاق.

السعودية وصفت الاتفاق بأنه كارثة إنسانية، وقال مصدر سعودي مسؤول، أن بلاده تشارك المجتمع الدولي باستمرار العقوبات على إيران بسبب دعمها للإرهاب، وانتهاكها للاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بالتسليح.

_ “إسرائيل” رفضت الاتفاقية، ووصفتها بأنها تهديد إستراتيجي. أما نتنياهو، فوصف الاتفاق بأنه خطأ تاريخي، ولن تلتزم به إسرائيل، إنه خطأ صادم.

ردود الفعل العربية:

_ الجزائر: أعربت عن ارتياحها واصفةً الاتفاق بالتاريخي والفوز الكبير للدبلوماسية والحوار.

_ الإمارات العربية: الاتفاق فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات الإقليمية.

_ أمير الكويت بعث برقية تهنئة للمرشد الأعلى والرئيس روحاني.

_ مصر: نتابع باهتمام الاتفاق ونأمل أن يحول دون حدوث سباق تسلح في الشرق الأوسط.

_ الأردن: جمع من الإعلاميين والمحللين السياسيين ناقشوا الاتفاق النووي الإيراني في ندوة بجريدة الرأي، أجمعوا على وصف الاتفاق بالمتوازن، والبعض مثل حمادة فراعنه اعتبر الاتفاق بأنه يفوق بنتائجه الحرب العالمية الثانية ولا تقل عن نتائج الحرب الباردة 1990. وقال السفير فالح الطويل أنه يخدم مصالح قوى عظمى. أما العين وجيه العزايزة فقال: أن أخطر تداعيات الاتفاق هو القفز عن القضية الفلسطينية. وهاجم د. نبيل العتوم الخبير بالشأن الإيراني إيران واتهمها بمعاداة العنصر العربي، لكنه طالب بعلاقات تعاون أردني إيراني. وأما عدنان أبو عودة رئيس الديوان الملكي الأسبق، فقد اتهم إيران بمساعدة أمريكا في أفغانستان والعراق.

وأخيراً سخر د. أحمد الشناق، الحزب الوطني الدستوري، من انحطاط الوضع العربي، وطالب الأردن بعدم الانحياز الطائفي والمذهبي وتبني فكرة الحل السياسي للأزمات في بعض الدول العربية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى