أخبار دولية

طوق نجاة “إسرائيلي” !! هل ينقذ إردوغان من أزماته وعزلته !؟

بعد أكثر من خمس سنوات من العداء المعلن بين تركيا و “إسرائيل”، تعكف تركيا على استعادة العلاقات الكاملة بينهما، والتي قُطعت عام 2010 بعد أن قتلت قوات خاصة صهيونية تسعة نشطاء أتراك على ظهر السفينة مرمرة المتجهة إلى غزة، وقد صرح مسؤولون أتراك بأن “الحليفين” الإستراتيجيين قد توصلا إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بينهما. وقد ذهب الرئيس التركي إردوغان أبعد من ذلك بُعيد توقيعه على تحالف استراتيجي مع السعودية، “بأن إسرائيل بحاجة إلى بلد مثل تركيا في المنطقة وعلينا أيضاً قبول بحقيقة أننا بحاجة لإسرائيل.. إنها حقيقة واقعة”!!

اعتُبر إردوغان وحزب العدالة والتنمية تاريخياً وريثاً مشاكساً لأربكان وحزب الرفاه، وعلى مدى 13 عاماً، بنى إردوغان، سجلاً متوتراً لحاكم مستبد يزدري ملفات حقوق الإنسان والقانون والحريات السياسية والصحفية، وينظر إلى منافسيه السياسيين كخصوم وجب ردعهم أو سحقهم، واستخدم سلطاته للانقضاض على الإعلام والنقابات العمالية والمؤسسة القضائية والأمنية، وسعى لتعديل الدستور ليوائم طموحاته السياسية.
ورغم محاولاته إضفاء الطابع الإسلامي المعتدل على سياساته، إلا أنه عمل فعلياً على تعميق النزعة القومية المحافظة للحزب، وبدا وكأنه متساوقاً تماماً مع النزعة الشعبوية والقومية المفرطة الآخذة بالتفاقم في مختلف أنحاء أوروبا.
يروّج أصدقاء إردوغان انطباعاً يظهر وكأن تركيا في عهده قد شهدت نهضةً اقتصادية هائلة، ولكن قراءة الواقع تكشف بأن تركيا تختبر حالة من التراجع الاقتصادي المتفاقم منذ عامين تقريباً، فأرقام 2015 تُظهر بأن الناتج المحلي الإجمالي قد تراجع هذا العام. كما انخفضت كمية الإنتاج الصناعي، بينما ارتفع التخضم، فيما بلغ العجز في الميزان التجاري 64 مليار دولار، وبلغت الديون التركية حوالي 50 مليار دولار، وانخفض سعر صرف الليرة خلال عام بنسبة 23%، وتحمل التوقعات مزيداً من التراجع المستقبلي.
ورغم عودة إردوغان للإمساك بالسلطة، إلا أن تورط تركيا في تأجيج العنف في الإقليم وفشلها في تعاملها مع الملفات الداخلية، قد لطخ من صورة إردوغان داخلياً وخارجياً، وبعد أن كانت تركيا تمسك بعدة خيوط مؤثرة، أفضى الهوس الإردوغاني لإسقاط النظام السوري إلى كوارث إنسانية متتابعة، فتراجع دورها، وأصبحت الأزمات تطرق أبوابها بشدة، وقد شكل دخول روسيا على خط الأزمة السورية، الضربة الحاسمة في ذلك.
قبيل الحضور الروسي، كانت القيادة التركية تستعد للقيام بعمليات برية في سورية، ودعمت المسلحين للسيطرة على الريف الشمالي لإدلب وجزء من ريف اللاذقية، ونقلت إلى الحدود بين البلدين قواتها البرية بنية تشكيل منطقتها العازلة لقطع الطريق على الأكراد من جانب، وتأمين تدفق نفط داعش المنهوب، ولدعم مجموعاتها الإرهابية تكتيكياً لمساعدتهم في التوغل تجاه الساحل ومدينتي حماة وحمص، وكسبت تأييد الرياض في مسعاها هذا.
أحدث التحرك العسكري الروسي في سورية ارتدادات إقليمية ودولية كبيرة، أكثرها شدة ظهر في أنقرة التي بدر منها أقوى ردة فعل عندما أسقطت الطائرات التركية قاذفة روسية، حيث استخدمت موسكو بعد ذلك ورقة العقوبات الاقتصادية والردع الميداني، وأوقفت المحادثات حول مشروع خط الغاز، وأصبحت الورقة الكردية حاضرة في سياسة عض الأصابع، وهكذا رسمت روسيا حدوداً حرجة للدور التركي في شمال سورية وعلى طاولة المفاوضات.
بدل أن يعيد حزب العدالة النظر في سياساته، أرسل القوات التركية إلى شمال العراق قرب الموصل، الأمر الذي فجر أزمة جديدة مع الجار العراقي، وجلب لنفسه تقريعاً من الحالة الدولية!
في الداخل التركي، وبعد وقف لإطلاق النار دام أكثر من عامين، تجددت المعارك الصيف الماضي بين قوات الأمن التركية وحزب العمال الكردستاني في جنوب شرق البلاد، وأدت المواجهات إلى وقف مفاوضات السلام، وتدور حالياً معارك عنيفة بين مؤيدي القضية التركية وقوات الشرطة والجيش في مدن عدة وعمليات تصفية واغتيالات بين الطرفين، وتتهم أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية السورية بأن لها صلات قوية بحزب العمال، وتشعر بالمرارة من الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في دعم هذا التشكيل.
نلاحظ هنا بأن المواقف الرسمية التركية المعادية للأكراد لم تختلف مهما تبدلت الطبقة السياسية في السلطة، وأن أُسلوبي احتواء النخب الكردية، أو الردع القاسي ضد المعارضين وقاعدتهم الجماهيرية لم يؤدي إلا إلى تعميق العرقية في المجتمع وتأجيج المشاعر الوطنية.
لقد شكل ملف “التعاون” التركي – الإسرائيلي” أيضاً، نقطة تلاقي أخرى للطبقة السياسة التركية بتنوعاتها، وتشير الوقائع بأن العلاقة بين الطرفين لم تنقطع بشكل كامل في أي يوم من الأيام. فقد كشفت القناة العاشرة “الإسرائيلية” بأن العلاقات التجارية بين الجانبين قد تضاعفت ست مرات ولم تتأثر بتاتاً بالخلاف السياسي، وأن التبادل التجاري قد وصل بينهما إلى ما يقرب من 6,8 مليار دولار، بينما ارتفعت الصادرات “الإسرائيلية” إلى تركيا خلال 4 أعوام ما نسبته 534%.
وتقول تقارير بأن تركيا سعت لتحسين علاقتها مع دولة الكيان، خصوصاً بعد أن زادت عزلتها وتوترت علاقاتها مع معظم دول الجوار، وتردي أوضاعها الداخلية.
على مدى عقود، شكلت العلاقات الخاصة بين تركيا والكيان الصهيوني، مصدراً للشكوك والتوتر مع جيران تركيا، سيما وأن هذا “التعاون” أخذ يتصاعد باستمرار وتسارع باتجاه صيغ تحالفية مختلفة بين كيانين تجمعها عدوانية الأطماع الإقليمية والتوسع والهيمنة والتنكر للحقوق الوطنية المشروعة لشعوب المنطقة. وتكديس ترسانات أسلحة، ولعب دور الأذرع الضاربة لقوى عالمية، وقد عمّق من هذه الشكوك، التدخل الفعلي المباشر لتركيا في سورية والعراق، والدور الصهيوني في عموم المنطقة.
تدرك أنقرة بأن تدخلها الفج في أزمات المنطقة، قد عزلها وأضعف من تأثيرها، كما تدرك أيضاً بأن دورها الإقليمي الأطلسي كأداة ضاربة قد تراجع كثيراً بعد انتهاء الحرب الباردة، وثم بعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني.
إردوغان وتحت تداعيات أزماته الداخلية والخارجية يهرب إلى الأمام للتصالح مع “إسرائيل”، أملاً بأن تحسن خطوته هذه من روابطه مع أمريكا، وتشفع له أمام الأوروبيين خاصة بعد انكشاف دعمه غير المحدود لصعود الإرهاب في المنطقة، وهو يبحث أيضاً عن طوق نجاة للتخفيف من آثار العقوبات الروسية على اقتصاده ودوره.
من جانبها، لا ترى “إسرائيل” في تركيا حالياً شريكاً مستقراً، في الوقت الذي أصبح لديها في المنطقة الكثير من البدائل والخيارات، وهي تضع مسألة الطاقة في بؤرة هذه العلاقة المتجددة، حيث تعتمد تركيا على روسيا في أكثر من نصف مستورداتها من الغاز، وفي المقابل يتنامى لدى الكيان الصهيوني أطماع متزايدة في تطوير حقل رئيسي ثان للغاز في المتوسط ويهمها أن تجد له زبائن جدد.
ولكن يبدو بأن خيارات النظام التركي الملتبسة لن تقود البلاد إلا إلى المسارات المسدودة والمواقع المعزولة، والتوتير الداخلي، وإلى تبديد المزيد من مكامن القوة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى