لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
أخبار دولية

تشافيز .. الحلم البوليفاري/ بقلم: د. عصام الخواجا

عندما التحق هوغو بالمرحلة الابتدائية وفي يوم دوامه الأول لم يسمح له بدخول المدرسة لانتعاله حذاءً قديماً من القماش، وهو الحذاء الوحيد الذي كان يمتلكه. هوغو تشافيز فرياس (هوغو تشافيز) الابن لوالدين كانا يعملان في التدريس الإبتدائي ، والثاني بين ستة أخوة ، ولد يوم 28 تموز 1954 في سابانيتا دي بارينياس، كان يعمل وهو طفل في قريته بائعاً لحلوى “آرانياس” المصنّعة بيتياً.

في الثامن من آب عام 1971 التحق بالأكاديمية العسكرية الفنزويلية، وتخرّج منها في شهر تموز 1975 برتبة ملازم أول في سلاح المدفعية، تخصص علوم الفنون العسكرية، فرع الهندسة.

في العام 1974، زار البيرو للمشاركة في إحياء الذكرى 180 لمعركة “أياكوشو” آخر أكبر معارك حرب الاستقلال من الاستعمار الإسباني والتي هُزِمَ فيها أكبر فيالق الجيش الملكي الإسباني ونتج عنها استقلال البيرو، وكانت هذه المناسبة فرصة التقى خلالها بالزعيم الوطني للبيرو الجنرال “هوان فيلاسكو ألفارادو” الذي عمل على تأميم البنك الوطني وصناعة المناجم وشرع بالإصلاح الزراعي وحد من ملكية الإقطاع للحيازات الزراعية وأعاد بناء وتسليح الجيش البيروفي بالاعتماد على الإتحاد السوفياتي وقطع مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولعل هذا أحد نماذج القادة الذين أُعجِبَ بنهجهم الراحل تشافيز ولعبت سيرتهم في حفر شخصيته القيادية وفكره السياسي ولعل أبرز هؤلاء الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، الذي قال بحقه وفي أكثر من مناسبة “أنا ناصري منذ أن كنت عسكرياً شاباً”.

في العام 1982، أسس “الحركة البوليفارية الثورية “200 والمعروفة اختصاراً ب MBR200″“، وفي السابع عشر من كانون أول 1982، المصادف للذكرى المئوية الثانية لرحيل سيمون بوليفار، زار المكان الذي تنتصب فيه شجرة معمرة تعرف بإسم”سامان دي غيري”، تشير الوثائق التاريخية أن سيمون بوليفار في حملته لتحرير فنزويلا من الاستعمار الإسباني، كان قد عسكر تحتها، وأقسم تشافيز في هذا المكان أن يعمل على إصلاح الجيش وأن يبدأ نضاله لبناء جمهورية جديدة في فنزويلا.

تقلّد عدة مناصب عسكرية، وفي العام 1991، أوكلت له قيادة كتيبة المظليين في قاعدة “ماراكاي”، وفي تلك الأثناء شرع بإعداد مشروع الحكومة الانتقالية والبرنامج الوطني “سيمون بوليفار”، وهو ما رَسَمَ دوره القيادي على رأس الضباط البوليفاريين.

انقلاب فاشل وسجن تحضيراً لانقلاب آخر

قبل نهاية 1991، حَدَّدَ تشافيز ورفاقه ساعة الصفر للتحرك والسيطرة على مقاليد الحكم، كان هذا صباح يوم الرابع من شباط عام 1992، حين انطلقت عملية تمرّد الضباط الذين كان يقودهم تشافيز، بالتزامن، في أربع مناطق، هي: ماراكايبو، كاراكاس، فالينسيا، وماراكاي.

فشلت المحاولة، وظهر تشافيز في نفس اليوم أمام كاميرات التلفزيون ليقول كلمته المشهورة “حتى اللحظة لم تحقق حركتنا أهدافها”، وحَمّلَ نفسه كل المسؤولية، وطلب من رفاق السلاح الذين انتفضوا معه العودة إلى ثكناتهم.

هذا الانتفاض العسكري، رغم فشله، إلا أنه لاقى ترحاباً من القطاعات الشعبية، وبدأ نجم تشافيز العسكري الشاب برتبة مقدّم والمعتقل بالصعود، في ظل السخط والاحتقان الجماهيري من سياسات الرئيس الفنزويلي في حينه “كارلوس أندريس بيريس”، الذي أدخل البلاد في أزمات اقتصادية متلاحقة بسبب تطبيقه “السياسات الليبرالية الجديدة”، التي وسّعت القاعدة الاجتماعية الفقيرة، وزادت من حنقها ومعاناتها، وكانت السياسات نفسها أدت قبل أقل من ثلاث سنوات، وبالتحديد في العام 1989، لانتفاضة الفقراء في العاصمة الفنزويلية، وما عُرِفَ عنها بال “كاراكاسو”.

شكل اعتقال تشافيز إثر التمرد العسكري الفاشل بداية مرحلة جديدة، في حياة من سيكون القائد القادم لمشروع الثورة البوليفارية في فنزويلا وأمريكا اللاتينية، حيث أمضى في سجن “جاري” قرابة السنتين، كانت محورية لإنضاج تشافيز أفكاره ومشروعه التحرري، من خلال المطالعة والكتابة وامتلاك الوقت الكافي للتأمل واستخراج الدروس والعبر وتحويل الفشل إلى بروفة الانتصار.

كتب أثناء اعتقاله في تموز من عام 1994 إلى جانب رفاقه وثيقة “كيف الخروج من المتاهة” وهي بمثابة مشروع إنقاذ وطني لتغيير النهج السياسي الاقتصادي الذي كان يقرر مصير البلاد.

في 27 آذار عام 1994 أفرج الرئيس الفنزويلي المنتخب “رافائيل كالديرا” عن تشافيز استجابة لوعود قطعها على نفسه في حملته الانتخابية.

بعد خروج تشافيز من السجن بدأ بوضع اللبنات الأولى للمشروع البوليفاري، الذي كان ينضج على عجل في ذهن هذا القائد السياسي الشاب، فأسس “حركة الجمهورية الخامسة” MVR، والتي تلخص في اسمها مشروع تشافيز في بناء “جمهورية جديدة”، بدستور جديد، يستجيب لمتطلبات الشعب الفنزويلي من خلال الدعوة لهيئة تأسيسية دستورية يقرر فيها شعب فنزويلا مستقبله ونموذجه السياسي الاقتصادي والاجتماعي، ويستلهم الإرث التاريخي لقادة فنزويلا ومشروع تحررها من الاستعمار، والذين يشكلون المرجعية المعرفية، والأخلاقية، والفكرية، والسياسية لتشافيز؛ هؤلاء هم الثلاثي سيمون رودريغز، سيمون بوليفار، وايسيكيل سامورا.

لقاء كاسترو لــ “رئيس المستقبل”

في 14 كانون أول من نفس العام 1994 يزور تشافيز كوبا، ويتفاجأ بوجودالرئيس فيدل كاسترو في مطار هافانا لاستقباله، ولم يكن أقل من استقبال “رئيس دولة”. لا شك أن فيدل كان يقرأ مستقبل تشافيز الخارج لتوه من السجن، وكان يستشرف جيداً مستقبل فنزويلا ومستقبل أمريكا اللاتينية في العقد القادم.

خلال زيارته هذه إلى كوبا، قدّم محاضرة تذكارية في جامعة هافانا، حضرها فيدل، قال فيها تشافيز: “المرة الأولى التي أزور فيها كوبا، ولكن حُلمَ كوبا حملنا إليها نحن الجنود البوليفاريون الثائرون قبل ذلك مرات لا تعد ولا تحصى”، وقال “تعلمنا في السجن أن نرفع راية الكرامة والمبادئ عالياً، حتى لو جازفنا وتحملنا في سبيل ذلك مخاطر أن نبقى وحدنا”، وأردف قائلاً “تعلمنا أن نُبقي الشموع مضاءة حتى في ظل العواصف والأمواج غير المؤاتية”.

كان لسان حال تشافيز وأعمدة مشروعه التماهي مع مشروع “المحرر بوليفار” وكل الرموز القومية اللاتينية ودولها، والقتال لفك تبعية “أميريكا لاتينا” للمستعمر سواء كان إسبانيا، بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية.

شرع تشافيز بالخطوات الحاسمة التي ستوصله ومشروعه للسلطة مع بداية 1995، حيث انطلق لزيارة كل بلدة وقرية ومدينة في الخارطة الفنزويلية، وامتدت جولته حتى عام 1997. خلال هذه الجولة كان يعرض لمشروعه السياسي الذي استند لفكرة رئيسية، وهي، “عقد الجمعية الدستورية” لصياغة “دستور جديد”، و”إعادة تأسيس الجمهورية”. وقد كشف للجماهير التي التقاها على مدى أكثر من ثلاث سنوات فساد النظام السياسي الحاكم في حينه، وقدم للناس وبالأرقام أين ذهبت عائدات النفط بالعملة الصعبة على مدى العقود الأربعة التي خلت، والتي كانت تعادل 17 مرة ما أنفق في مشروع مارشال بعد الحرب العالمية.

ما أضاع كل هذه الثروات هو فساد السلطة وسوء إدارتها للموارد والتدفقات المالية، وهو ما أدى للواقع الفنزويلي الاقتصادي الاجتماعي المرير الذي شكّل البيئة الحاضنة والداعمة والمتعطشة لمشروع تشافيز البوليفاري. ويمكن تلخيص الواقع الفنزويلي في حينه بالأرقام التالية: 3% من السكان يمثلون الطبقة الغنية، و17% الطبقة الوسطى، وباقي الــ 80% يمثلون المهمشين المُفقرين، مادة الثورة والتغيير القادم. 

في 19 نيسان 1997 يسجل تشافيز “حركة الجمهورية الخامسة “MVR في السجل الانتخابي، وفي منتصف 1998 تصدر تشافيز قائمة المرشحين لدى استطلاعات الرأي، وفي السادس من كانون أول لعام 1998 انتخب رئيساً لفنزويلا بحصوله على 56.5% من الأصوات.

استلم مقاليد الحكم في الثاني من شباط 1999، وأثناء أداء القسم، يخرج على النص المعتمد لأدائه، بقوله “أقسم أمام الله والوطن والشعب، وعلى هذا الدستور المحتضر، أن أعمل على إنجاز التغيرات الديمقراطية الضرورية حتى يكون للجمهورية الجديدة دستورها الذي يلبي متطلبات المرحلة الجديدة”.

أوفى تشافيز وعده، ففي الخامس من كانون أول 1999 وبموجب استفتاء شعبي عام حظي الدستور الجديد على تأييد 70% من الأصوات.

شكل هذا الدستور المدخل لجملة التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي عاشتها فنزويلا التي عدل تشافيز اسمها ليصبح “جمهورية فنزويلا البوليفارية”، ونادى بمشروع “اشتراكية القرن الحادي والعشرين”.

لن نسترسل في إنجازات تشافيز ومشروعه الثوري البوليفاري الذي بات معروفاً، والذي من أبرز سماته دعوته وعمله مع قادة أمريكا اللاتينية اليساريين والوطنيين في تأسيس الأطر التكاملية السياسية والاقتصادية والمالية لدول الجنوب (ALBA، CELA، UNASUR،MERCOSUR، PETROCARIBE ،BANCO DEL SUR)، هذا المشروع الذي حورب من قبل الإمبريالية الأمريكية وما زال بكل القسوة، والأدوات، والوسائل، وحصان طروادتها المعارضة اليمينية ذات النزعة الفاشية.

في استعراض شخصية تشافيز نقف لنستذكر جرأة مواقفه ووضوحها تجاه القضايا العربية، وتحديه الشجاع للإمبريالية الأمريكية واللوبي الصهيوني في القارة اللاتينية، لكن ما أرى لزاماً الإشارة له في هذا المقام، مقتطف من كلمة لتشافيز عن فلسطين وجهها للجمعية العامة للأمم المتحدة، وجاء فيها على نشأة المشروع الصهيوني، واحتلال فلسطين، ومما قاله: “منذ عام 1948 الى هذا اليوم واصلت الدولة الصهيونية إستراتيجيتها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني، بذلك كان لديها دائماً حليف غير مشروط: الولايات المتحدة الأمريكية “…”ها هي إسرائيل توجه وتحدد السياسة الدولية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط”.

هناك أكثر من ذلك في تلك الكلمة، لكن ما يستحق التوقف والتقدير ورفع القبعة لهذا القائد الاستثنائي، الوضوح في فهم حقيقة صراعنا نحن مع المشروع الصهيوني وجذوره، والجرأة والشجاعة ليقوله أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمام العالم أجمع، في الوقت الذي نسي الكثيرون من أبناء جلدتنا وعد بلفور وجذور المشروع الصهيوني وطبيعته الاستعمارية، لا بل يروجون دون خجل للتطبيع مع كيانه المحتل لأرضنا العربية. أين أنت يا تشافيز من كل هؤلاء!

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى