أخبار دولية

التواجد العسكري الروسي في سورية وتداعياته الاستراتيجية على الكيان الصهيوني

عودة روسيا إلى المياه الدافئة ليست بالعودة قصيرة الأمد، فحسب التصريحات الروسية التي تقول بأن روسيا لا تنوي الخروج من المياه الدافئة، يرى المحللون أن لهذه العودة أبعاداً جيوسياسية واستراتيجية على المنطقة، وتؤشر على نشوء أجواء جديدة على المنطقة والإقليم.


فالتواجد الروسي العسكري الموجود في منطقة المتوسط في سورية، له دلالات بالغة الأهمية على شكل العلاقة الروسية-“الإسرائيلية” سابقاً ولاحقاً، وعلى وجود الكيان الصهيوني وخططه الاستراتيجية في المنطقة.
قيام روسيا ببناء قواعد عسكرية في طرطوس واللاذقية لمدة 49 عاماً، والحديث يدور الآن عن بناء قاعدة عسكرية في مصر، له دلالات على النية الجادة لروسيا في البقاء في المياه الدافئة. ولكن ما سنحاول قراءته في هذا التقرير، هو أثر التواجد الروسي العسكري في المنطقة على الكيان الصهيوني والتداعيات الاستراتيجية له، خصوصاً أن أصدقاء روسيا هم محور المقاومة (سورية، إيران، حزب الله)، وكيف ستتعامل روسيا مع الأطماع والأخطار الصهيونية في سورية ولبنان وهي متواجدة عسكرياً في قلب المنطقة.
في تقرير نشره موقع “والاه” الصهيوني، أشار إلى ضعف أجهزة التنسيق الإسرائيلية الروسية في الآونة الأخيرة، مدللاً على ذلك بعدة إشارات أهمها، تسلل طائرة من دون طيار روسية إلى “إسرائيل”، وحادثة أخرى عندما أطلقت بطارية دفاع جوية تابعة للجيش السوري صواريخ نحو طائرات حربية “إسرائيلية”. ونوّه التقرير إلى قرب انتهاء التنسيق بينهما خصوصاً بعد إعلان روسيا موقفها الداعم والمؤيد للرئيس السوري بشار الأسد، وإرسال حاملة الطائرات “الأدميرال كوزنتسوف” الروسية التي ستؤثر كثيراً على سلاحي الجو والبحر للجيش الإسرائيلي في عملهما العلني والسري في المنطقة خصوصاً قبالة سوريا ولبنان”بحسب التقرير”.

يشير الدكتور سعيد ذياب الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني إلى أن الحضور الروسي المتنامي في سورية والإعلان عن إقامة قاعدة عسكرية ثانية في جبلة، بالإضافة لقاعدة طرطوس، يثير العديد من الأسئلة والتعليقات وردود الفعل حول كيفية فهم هذا الحضور المتنامي. ويعتقد ذياب أن فهم ذلك الحضور لا يستقيم بدون قراءة وفهم عاملين أساسيين؛ الأول، يتمثل في العلاقة الروسية السورية، تلك العلاقة التي بدأت عام 1963 مع وصول حزب البعث الاشتراكي إلى السلطة، وتعززت تلك العلاقة عام 1970 عند استلام الرئيس الراحل حافظ الأسد السلطة. ولم تتوقف إلا في فترة قصيرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتسلم يلتسين سلطته، لتعود ثانية مع استلام الرئيس بوريس يلتسين السلطة. العامل الآخر يتمثل بموقع سورية ضمن الرؤية الروسية الأشمل للمنطقة والدور الروسي العالمي.
ويقول د. ذياب في حديثه لنداء الوطن، أن العلاقة الروسية السورية ليست وليدة الساعة، بل تعود في جذورها قديماً إلى العهد السوفييتي، الأمر الذي يفرض علينا قراءة هذا التطور ضمن سياق تاريخي طويل، وعلى كافة الصعد الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وكذلك في بعده الاستراتيجي والمصالح المشتركة بين البلدين سورية وروسيا.
ويوضح أن روسيا تريد في تواجدها العسكري في سورية باعتبارها نافذتها على البحر المتوسط وما يمثل هذا التواجد من أهمية جيوبولوتيكية باعتبارها بوابة أوروبا، تريد بتواجدها في سورية، مواجهة الإرهاب في مكانه، قبل أن يصل إلى حدودها الجنوبية في منطقة القوقاز وما تمثله تلك المنطقة من أهمية قصوى لروسيا.
لذلك يرى د.ذياب بأن هذا الوجود العسكري على الجانب السوري سيكون له أثر ميداني كبير، من خلال تعزيز القدرات العسكرية للجيش العربي السوري، في مواجهة المجموعات الإرهابية والمخططات الغربية وفي الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة الدولة وصيانة التراب السوري. ويؤكد على أن الأثر الاستراتيجي الأبرز يتمثل كذلك، أن هذا التواجد وهذا التعزيز للقدرات للجيش السوري هو في حقيقته تلويح بالقوة نحو “إسرائيل”، وأن السماء السورية لم تعد مفتوحة لها، وأن يدها لم تعد طليقة في ضرب واستهداف ما تشاء.
ضمن هذا الفهم للوجود الروسي وتعزيز الشراكة الروسية السورية، وما تعكسه من دعم ومساندة للقدرات الدفاعية للجيش، فإنها تخلق الأرضية لقيام منطقة مقاومة للعدو الصهيوني في الجنوب السوري.
ويشير د. سعيد ذياب، إلى أن التواجد العسكري الروسي وهذه العلاقة السورية الروسية المميزة، سيكون لها انعكاسات هامة وخطيرة على المستوى الإقليمي من جهة، وسيكون لها تأثيراً إيجابياً لمحور المقاومة وقدرات هذا المحور على التصدي للمخططات الصهيونية.
وبعد خمس سنوات من الاستنزاف للدولة السورية ومن الهيمنة الأمريكية على المنطقة ومخططاتها ومشاريعها لإعادة تقسيم المنطقة، يأتي التواجد الروسي ليعطي دفعة كبيرة للجيش والدولة السورية في تعزيز قدراتهم على مواجهة الجماعات الإرهابية وعلى طريق القضاء عليها وإفشال المخططات الغربية.
وينوه د. ذياب بأنه علينا أن نتذكر بأن هذا التواجد بقدر ما يشكل عنصر داعم للدولة السورية، يأتي كذلك حماية لمصالح روسيا في المنطقة العسكرية والاقتصادية وبالأخص (حقول الغاز في الشواطئ السورية) لكنه يعتقد أن الأهم أنها رسالة للعالم، بأن روسيا وبعد أن تعافت اقتصادياً باتت قوة صاعدة يعتد بها، لا يمكن ولا يجوز تجاوزها في سياق البحث عن حلول للصراعات الدولية. ولعل دورها في أوكرانيا وسورية الدليل الأكبر لذلك. الأمر الذي يدفع للاعتقاد من أن الصراع الدائر في سورية سيحدد مستقبل المنطقة العربية من جهة، وسيمهد لنظام دولي جديد متعدد بديلاً للنظام الأحادي القطبية.
ويتشارك المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأردنية د. عامر السبايلة الدكتور ذياب في الطرح، حيث يرى أنه بلا شك أن التواجد العسكري الروسي في البحر المتوسط يفرض تغييراً في المعادلة الجيوسياسية في المنطقة. لكن لا بد في البداية من محاولة تعريف أسباب هذا التواجد وانعكاساته على جميع الأطراف. فالوجود الروسي في المتوسط يأتي في إطار الحفاظ على مصالح روسيا الاستراتيجية وأهمها مصادر الغاز وطريقها إلى أوروبا المعتمدة تماماً على الغاز الروسي. وبالتالي فإن الوجود الروسي اليوم يأتي في إطار استراتيجية طويلة الأمد، مما يعني أيضاً أن مسألة التفاهمات والتنسيق مع دول الجوار المتوسطي هو أمر حتمي وأهمها دول خط الغاز وخصوصاً “إسرائيل” التي لا تشاطر موسكو علاقات مهمة، فموسكو لا تشارك أي من الطرفين حالة العداء التي تجمعهم وهذا يشير إلى حساسية موقف موسكو والذي ستحدده لاحقاً مصالح موسكو الاستراتيجية مما يجعل العلاقة الجيدة مع “إسرائيل” أمر يجب المحافظة عليه.
ويشير د. السبايلة في حديثه لنداء الوطن، إلى أن تحالفات موسكو مع سوريا ومحور المقاومة تضع روسيا في نقطة تنسيق مهمة سواء على الصعيد العسكري أو حتى السياسي مستقبلاً نظراً لاضطرار موسكو للتعاطي مع الأمور من وجهة نظر واقعية وبصورة عملية. ولكن بلا شك فإن التواجد الروسي يفرض نوع من أنواع التوازن العسكري ويضبط السلوكيات الإسرائيلية المتسمة بالرعونة. ومن جهة أخرى فإن التواجد العسكري في سورية المتوسط يعني أن موسكو ستجد نفسها منخرطة سياسياً في معظم ملفات المنطقة وخصوصاً ملف التسوية الإقليمية وعملية السلام.
هذا يعني أن تعاظم الدور الروسي في المنطقة بات أمراً حتمياً وتواجد موسكو العسكري يصبح أمراً طبيعياً نظراً لضرورة حماية المصالح الاستراتيجية الروسية من جهة، ومن جهة أخرى فإن المشاركة في صياغة تسويات المنطقة السياسية تحتاج إلى ثقل في التواجد العسكري في المنطقة خصوصاً أن موسكو قررت أيضاً أن تدخل إلى تركيبة المنطقة عبر بوابة المسيحية الأرثوذكسية وحماية مستقبلها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى