لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
أخبار فلسطين

مشاعل الجبهة الشعبية.. بالكلمة والبندقية كتبوا لفلسطين

في ذكرى تأسيس “الجبهة” يحضرنا الرواد، يدقون بقوة على جدران الخزان.. ومن أكثر نضارة وبهاء من غسان كنفاني وجيفارا، هما شرف الكلمة وطهارة السلاح؟ استطاع غسان أن يسند البندقية بالفكر الثوري، ولوح جيفارا ببندقيته ممهورة بالعنف الثوري.

عاشقا فلسطين، جاءا من تضاريس النكبة والمنفى، وارتقيا إلى مصاف الكفاح الملحمي، أحدهما ولد في المخيم ولم يفارق نبضه، والثاني عاد من نزوحه إلى المخيم لينهل زاداً للثورة، فمن عتبات بيوت الفقراء وجب أن تبدأ رحلة العودة، فأحالا عتمة المخيم حقول ورد ودالية وحنطة، تبعا مجرى النشيد وسخاء البرتقال والبرقوق، وانتصرا على الضياع، ولم يعودا يريا إلا بعيون الفقراء وقلب الشهيد.

لم يلتقيا أبداً، ولكنهما توحدا في التوق إلى الحرية، وفِهم الجبهة الشعبية لطبيعة العدو الصهيوني العنصري ورؤيتها كيف يكون الفعل لقلب سطوة موازين القوى، وكيف نُحكم الربط جدلياً بين الوطني والقومي والأممي.

حذّر غسان من تسليم الثورة لأبي الخيزران ومزابل المتخاذلين، وطارد جيفارا الخونة والعملاء ووضع شعاراً منصفاً ونزيهاً لمحكمة الثورة “الثورة لا تظلم.. ولكنها لا ترحم”؟!

غسان كنفاني:

هل كان يدرك غسان باكراً بأن مشوار حياته على هذه الأرض قصير، حتى كثّف حياته لدرجة كبيرة، فأبدع في كل ميدان لامسه، شعاع الضياء في سماء فلسطين لم يغادرنا ضياؤه حتى بعد غياب لثلاثة وأربعين عاماً.

ولد أحد أشهر الكتّاب العرب كنفاني، بجوار البحر في عكا عام 1936، وفي عام 1948 خبر الهجرة القسرية مع أسرته وجموع الفلسطينيين إلى لبنان، ثم إلى سوريا، حيث أكمل دراسته في جامعة دمشق وعمل مدرساً هناك في مدارس الأونروا قبل أن يحط به الرحال في الكويت ليعمل مدرساً للتربية الرياضية.

حياة غسان السياسية بدأت مبكراً، فقد انضم لحركة القوميين العرب بعد أن قابل جورج حبش عام 1953، الذي أقنعه بالمجيء إلى بيروت التي كانت تشهد حالة من الإرهاصات السياسية والثقافية المتصاعدة، ولم ينتظر غسان طويلاً حتى عمل في المدينة في كثير من المجلات والنشرات الصحفية إلى أن أصبح رئيساً لتحرير جريدة “المحرر” اللبنانية قبل أن يؤسس صحيفة “الهدف” الناطقة بلسان الجبهة الشعبية ويرأس تحريرها.

شكل غسان علامة بارزة في الثقافة الفلسطينية والعربية والعالمية، وتُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات الأجنبية وحولت اثنين من رواياته إلى أفلام سينمائية.

ركز غسان في أدبه على معاناة الشعب الفلسطيني، ورغم أن معظم أعماله الأدبية كتبت في إطار ومناخات القضية إلا أن موهبته أعطتها جاذبية وحملتها إلى العالمية.

صاغ مبكراً تصوراً خلاّقاً للهوية الوطنية الفلسطينية، وكشف عن طابعها التقدمي الديناميكي المعاصر وقدرتها الجدلية على مواجهة الهوية الأخرى، وأهمية تقديمها كمثال للمقاومة الإنسانية رفيعة المستوى. لذلك كان أول من نبش بشكل جاد في الأدب الصهيوني، ليكشف الطابع العنصري الاستعماري للفكر الصهيوني، ونبه إلى خطره الماثل في إلغاء الفلسطيني ونفيه من الجغرافيا والتاريخ.

قرأ غسان أسباب فشل ثورة 1936، وعدم مقدرتها على مواجهة المصير التراجيدي للنكبة، وقدّم دراسة رفيعة في أدب المقاومة الطالع من قلب الظلام الاحتلالي، ورأى فيه دلالة على تجذر الهوية الفلسطينية ومقاومتها للطمس.

سُكن غسان بهاجس “يجب أن يفهمنا العالم فالعالم ليس لنا”، واعتبر العمل الإعلامي والصحافي هو أداة كفاحية لإبراز الحقيقة واسترجاع الحق، فتحول إعلام الجبهة وجريدة الهدف إلى عقدة لقاء وتواصل نضالية خلاقة وأصبحت “الهدف” وفي وقت قياسي قاعدة ارتكاز ثقافية وسياسية لتفاعلات المقاومة العربية والأممية. ورغم إيمانه الراسخ بعدالة القضية، إلا أنه كان يدرك بأن القضية العادلة تحتاج أيضاً لمدافعين جيدين.

نشأ غسان كنفاني في عائلة متوسطة متعلمة، وقد انحاز مبكراً لليسار والفكر الديالكتيكي، بذلك كان متعطشاً لفهم الواقع حتى يستطيع التأثير به، فعاد إلى المخيم ليتلمس معاناته، ويتحسس وعيه، وفهم جدلية المنفى والعودة وأدرك بأن الرحلة من خارج الوطن لا تنتهي إلا بالعودة، وأن المنفى الحقيقي يكون في العدمية والانتظار وأننا لا يمكن أن نحول النكبة إلى عودة إلا بالثورة، فنشط بقوة داخل صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأصبح عضواً في مكتبها السياسي.

طور علاقة خاصة مع أمهات الشهداء، وبرزت أم سعد سيدة المخيم والنضال رمزاً ومدرسة، واهتم كثيراً بالأطفال “مستقبلنا” وقدم لهم نتاجاً غنياً، وردد دوماً لدينا شعب لا يموت ولا يقبل بين صفوفه الميتين الأحياء! وطور نهجاً نقدياً فاعلاً.

استشهد غسان كنفاني على يد الموساد “الإسرائيلي” عندما فجروا سيارته في بيروت عام 1972، فكتب بالدم لفلسطين وما زلنا نسير على هدي مشاعل غسان، وما زالت آني رفيقة غسان وشريكة حياته، متحفزة تحرس إرثه وتحمل أمانته.

محمد الأسود “جيفارا غزة”:

نسر الجبهة الشعبية وفلسطين، يعود دوماً ليحلق في سماء غزة ويلهم المقاومين رغم سنوات الغياب.

ولد الشهيد محمد الأسود في بداية العام 1946 في مدينة حيفا، حيث أُجبر مع أسرته إلى ركوب موجة اللجوء إلى قطاع غزة عام 1948،  سكن في إحدى مخيمات وكالة الغوث، حيث عاش طفولة قاسية كمعظم أبناء شعبه في خيام اللاجئين. ولم تفارق ذاكرته يوماً تلك الفترة التي كان يستيقظ فيها باكراً ليقف في طابور طويل يحمل بيده إبريق ماء بلاستيكي منتظراً دوره على الموافق العامة للمخيم قبل أن يأخذ طريقه الموحل إلى مدارس الأونروا، حيث درس فيها جميع مراحل دراسته.

دفعه طموحه لإكمال دراسته الجامعية في مصر، ولكن ظروف عائلته الصعبة أجبرته لقطع دراسته في العام الأول والعودة للقطاع ليعمل في وظيفة متواضعة.

بسبب يقظته ووعيه المبكر انضم إلى حركة القوميين العرب وعمره 17 عاماً، ونشط بحماس في كل الاتجاهات بعد نكسة حزيران مباشرة، أصبح قائداً لإحدى المجموعات المقاتلة. ثم في الجبهة الشعبية مع بدايات العمل المسلح، نفذ مع مجموعته عدداً من العمليات التي اتسمت بالجرأة والدقة، وردع بالعمل المسلح سيل الزوار الصهاينة للقطاع ومحاولاتهم إسقاط شباب غزة في حبائل المخدرات والسلوك الانحرافي.

اعتقل جيفارا لأول مرة في بداية 1968، وخرج من المعتقل بعد عامين أكثر وعياً وتصميماً، حيث واصل النضال مباشرة، وأصبح يشرف بجدية وانضباط شديدين على إعداد المجموعات المقاتلة تدريباً وتثقيفاً، فتدرج بجدارة في مواقعه التنظيمية القتالية حتى أصبح نائباً للمسؤول العسكري، ثم تولى المسؤولية العسكرية الأولى بعد استشهاد سلفه، وأصبح عضواً في المكتب السياسي للجبهة وهو في عمر 26 عاماً.

أبدع جيفارا غزة في إدارة الكفاح المسلح وخاض معارك متعددة مع الاحتلال في كل أنحاء القطاع، فتصدى مع رفاقه لحالة دائمة من المطاردة الشرسة والتخفي والمباغتة، أربكت العدو، لدرجة أن “موشي ديان” وزير دفاع الصهاينة آنذاك، اعترف “بدهاء” هذا القائد الفذ، وصرّح في الصحافة الصهيونية “بأننيا نحكم غزة في النهار، وهم يحكمونها ليلاً”!

التحديات القتالية لجيفارا لم تعيقه عن تطوير إمكانياته الفكرية والعملاتية، وربط التنظيم السياسي والعسكري والاهتمام بإنشاء اللجان العمالية والاجتماعية ورعاية أسر الشهداء وحتى تأسيس مكتبة مركزية ومكتبات فرعية في أنحاء القطاع، ومثّل حالة فريدة من الالتزام والنزاهة والتحمل والإبداع.

كسب ثقة أبناء غزة وساهم في تنظيم مظاهراتهم، وأمن ظهره بالمخيم، فكان بالنسبة له المكان الدافئ والحضن الوفي، وفُتحت له أبواب بيوت اللاجئين، حيث شهدت المخيمات في فترة كفاح القطاع تحولات اجتماعية وفكرية تاريخية.

حوصر جيفارا في مخبأه السري في 9/3/1973 وجرى اشتباك مسلح عنيف سقط فيه 6 جنود صهاينة جرحى واستشهد جيفارا وعدد من رفاقه.

باستشهاده فقدت غزة ابناً باراً وقائداً فذاً لنضالاتها، كما فقدت الجبهة الشعبية أحد قادتها الأبطال.

لقد عبر جيفارا عن حالة ساطعة من الروح الكفاحية العالية للشعب الفلسطيني وقدرته، على تقديم قادة ميدانيين من الشباب في مراحل مقاومته المتصاعدة.

لا يمكن أن نذكر جيفارا، دون أن نحيي زوجته وداد التي اعتقلت وتعرضت لتحقيق قاس وبقيت صامدة، وعند خروجها من المعتقل بعد استشهاده، توجهت وداد مع مجموعة من رفاقه إلى ضريحه، نثروا الورود ورددوا معاً أهازيج شعبية تفخر بسيرته:” يا كوز الذهب يلي انسكرنا فيك”!!

غسان وجيفارا امتشقا قدر الفلسطيني وعدالة قضيته ومرا بيننا كشهاب مضيء ما فتئا ينهضان على حافة الحلم والدم، لكما المجد والفخار رفاقي فأنتم أنداداً وأبطالاً وقد حولتم المنفى إلى ثورة وعلينا إكمال المسير.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى