أخبار عربية

لاقى استنكاراً من جهات هلّلت للتدخل الأمريكي، التواجد الروسي في سوريا يعيد تشكيل خارطة المنطقة

  • حطيط: التواجد الروسي تم بموافقة السلطة الشرعية، والتدخل الأمريكي هو عدوان وانتهاك للسيادة
  • ذياب: مصلحة الأردن تكمن في الوقوف مع الدولة السورية للحفاظ على استقرارها وعدم فتح الحدود للجماعات الإرهابية
  • العبادي: ما يحدث في سورية حرب بالوكالة بين محاور العالم الجديد

ما أن أعلنت روسيا رسمياً مشاركتها العسكرية للمرة الأولى في القضاء على التنظيمات الإرهابية في سوريا، حتى بدأ الجدل يثار حول نزاهة النوايا في المساعدة المقدمة من روسيا لحليفتها السورية. وعلى مدار الأسبوعين، أمطر العديد من المحللين والكتّاب، روسيا باتهامات خرق السيادة السورية لتحقيق مصالحها الشخصية، بمشهد لم نشهده عندما شن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة حرباً تحت عنوان “القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية داعش” منذ عام.

وبالرغم من ضبابية ما أنجزه التحالف كاملاً على الأرض في عام، ووضوح المنجزات العسكرية الروسية في أسبوعين، إلا أنّ العديد من المواقف الرسمية بدأت تطعن بالأهداف الروسية، حتى وصلت حد الاتهام باستهداف المدنيين في الغارات الروسية، لتكمل بعدها الماكينة الإعلامية دورها في التجييش الشعبي ضد المشاركة الروسية، حتى أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تزخر فجأة بالتحذير من التآمر على الشعب السوري والمخاوف من قيام ” الإمبراطورية الصليبية”  والتنديد بما أسموه “خرقاً” للسيادة السورية، دون أن يلاقي “خرق” للسيادة السورية على مدار السنوات الماضية نفس التنديد.

“من منطلق الادعاء بالحرص على الشعب السوري وحريته وديمقراطيته، تؤيد بعض “التدخلات” العسكرية وتُعارض أخرى”. هكذا يحاول أمين عام حزب الوحدة الشعبية د. سعيد ذياب تفسير المشاركة الروسية في سوريا دون أن يفصل ذلك عن فهم جوهر الصراع في المنطقة، “حالياً نشهد دخول الدول الإمبريالية في قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان، في شعارات يتم استغلالها من قبل الدول الاستعمارية لتمرير مخططاتهم والسيطرة على المنطقة وسلب ثرواتها، فباسم الديمقراطية دمروا العراق، وباسم الديمقراطية يجري تدمير سورية، دون أن يعني أن الشعوب لا تريد الديمقراطية، ولكن هذا أدى إلى اصطفافات كاذبة، ليتحول جوهر الصراع الى سني شيعي لاحقاً”، مستنكراً وقوف الحريصين على مستقبل الشعب السوري كمؤيدين للقصف الأمريكي ومعارضين للتدخل العسكري الروسي.

“مساعدة” أو ” تدخل” في سورية؟

قد يكون نقاش السيادة السورية أحد أبرز ما أثارته المشاركة العسكرية الروسية في سورية، وبات التخوف على السيادة السورية  قميص عثمان الذي يعارض بسببه الكثيرون المشاركة الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التزم بتصريحات محددة وواضحة منذ بداية مشاركة قواته العسكرية في سورية، أهمها حجم التعاون بين القوات الروسية في الجو مع عمليات الجيش السوري على الأرض، في رد على كل ما يثار عن “التدخل”، وهي تصريحات لاقت ما يشابهها من الجانب السوري الذي يؤكد تحقيق جيشه تقدم على الأرض بمساعدة الغطاء الجوي الروسي.

“المسألة بكاملها لا يمكن أن تقرأ بعيداً عن السياق التاريخي بين البلدين، سوريا وروسيا” يقول ذياب، ذاهباً إلى عمق العلاقات الإستراتيجية بين روسيا وسورية منذ عشرات السنين “وبالعادة الدول الحليفة تطلب مساعدة بعضها البعض”، يقول ذياب خلال ندوة أقامها حزب الوحدة “المستجدات في الإقليم والتواجد العسكري الروسي في المنطقة”.

ما بين ” التدخل” والمساعدة” يوضح  الخبير والمحلل العسكري اللبناني العميد الركن المتقاعد أمين حطيط الفرق بينهما، مستنداً للقانون الدولي العام، “السيادة هي سيادة الشعب على أرضه، والشعب ينتخب سلطة يوكل لها أمر الممارسة، والسلطة المسؤولة الآن في سورية يمثلها الرئيس السوري بشّار الأسد، الذي لا تزال تتعامل معه الأمم المتحدة على أنه الرئيس السوري، وهذا الرئيس –أي الأسد- طلب من روسيا تقديم المساعدة العسكرية، لذا يعتبر ذلك وفقاً للقانون الدولي هو وجود شرعي لا ينتهك السيادة”.

ويضيف حطيط في حديثه مع نـداء الـوطن من بيروت، بأن الوجود الأمريكي في سوريا هو ما يشكل انتهاكاً للسيادة،” بل هو عدوان عليها طالما لم يحدث بناءً على قرار أو تنسيق أو حتى إجماع من الأمم المتحدة ليمنحه الشرعية”.

لماذا تقدم روسيا المساعدة لسورية؟

يقول مدير تحرير دائرة الرأي والقضايا في يومية “الغد” منار الرشواني بحسب مقالة نشرت له في ذات الصحيفة، بأن موسكو “قررت تبني خطة طهران القائمة على تقسيم سورية، وتأسيس دويلة الساحل، وما أمكن من مدن الوسط السوري، ما قد يجعل من  الحضور العسكري الروسي شكلاً من أشكال الموازنة مع الحضور الإيراني الذي سيهيمن صراحة على الدويلة الجديدة” بحسب الكاتب، مضيفاً سيناريو آخر “عقلانياً” حول التحرك العسكري الروسي، بـأن موسكو تريد فعلاً حلاً سياسياً للحرب في سورية، لذا خلقت قواعد عسكرية جديدة تعزز وجودها بعد الأسد”.

الموقف بالنسبة لوزير الصحة الأسبق والنائب في مجلس النواب الأردني السابق ممدوح العبادي ببساطة هو عدم خيانة روسيا لأصدقائها في المنطقة إذا ما احتاجوا المساعدة من جهة، ومصلحة روسية بحتة من جهة أخرى.

“رئيسة البرلمان الروسي التي زارت الأردن قبل أسبوع، قالت لمجلس الأعيان، نحن أوفياء لأصدقائنا ولسنا مثل أمريكا” يقول العبادي في تلمحيه لتمسّك روسيا بحلفائها دوماً، مشيراً إلى أن سورية بالنسبة لموسكو أهم بكثير من ذلك، فهي هدف كي تحافظ الأخيرة على وجودها في المياه الدافئة.

ويضيف العبادي “هناك مصلحة حقيقية لروسيا وهو الغاز القطري الذي كان مخططاً له أن يذهب لأوروبا عن طريق سورية ويقضي على الغاز الروسي، والأهم من ذلك وجود مسلمين أتوا من دول من مثل الشيشان وبالآلاف، والآن يحاربون في سورية وغداً سيرجعون إلى روسيا لتنفيذ عملياتهم التفجيرية”.

يؤكد د. ذياب، أن ” الروس يتلمسون الخطر الحقيقي على وجودهم جرّاء استمرار هذه الحرب، قبل أن يجدوا بأن الأفضل لهم هو ضرب المجموعات الإرهابية التي تشكل خطراً في المستقبل إذا ما عاد الإرهابيون وخصوصاً الشيشان لبلادهم، لذا يجب القضاء عليهم في سوريا دفاعاً عن موسكو”.

ينسجم تحليل ذياب مع أعلنه الموقف الرسمي الروسي منذ بدء مشاركته عسكرياً في سوريا، عندما أكد على “تقديم الدعم للجيش السوري في محاربة التنظيمات الإرهابية” فيما شدد بوتين خلال لقاء له على قناة “روسيا اليوم” على أثر المشاركة العسكرية لقواته في سورية على الشعب الروسي في روسيا،مؤكداً على أولويته في حماية مصالح الأمن القومي للشعب الروسي، فيما بدا أكثر وضوحاً عندما قال “لو سمحنا بافتراس سورية لكان وصل إلى بلادنا آلاف من أولئك الذين يتراكضون اليوم وبنادق الكلاشينكوف بأيديهم”، ضارباً بعرض الحائط مواقف دول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية والولايات المتحدة التي تشكك بأهداف المشاركة العسكرية.

روسيا وأحلام النظام ثنائي القطبية

على مدار نحو 45 عاماً (1945-1989)، عاش العالم ضمن حرب باردة خاضها قطبا العالم الساعيان لفرض نفوذهما وهيمنتهما، الولايات المتحدة من جهة والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، صنعت توازناً في الصراعات في ظل التحالفات التي اتبعتها دول العالم، انتهت تلك الحقبة بانهيار الاتحاد السوفيتي، لتصبح الولايات المتحدة القوة الأولى والوحيدة دون أن يندثر حلم روسيا في إعادة مجدها كقوة مكافئة.

يقول أمين عام حزب الوحدة بأن روسيا استعات عافية اقتصادها وبدأت بتقوية وجودها العسكري، وهناك قوى في العالم بدأت تفرض نفسها وتطرح أن من حقها المشاركة في حل المشكلات الدولية، والأبرز بين هذه الدول هي روسيا التي بدأت عملية هدم للنظام الدولي الأحادي القطبية لتبدأ عملية البناء لنظام دولي متعدد الأقطاب الذي سيفرض أفولاً أمريكياً وخلق نظام دولي جديد مثلما حصل بعد الحرب العالمية الثانية.

ما يعتقده ذياب من علامات لبداية تشكل نظام ثنائي القطبية، يستبعده الخبير العكسري اللبناني حطيط، بل يصفه “بالأمر المتعثر” لسببين، بداية عدم قدرة روسيا بأن تشكل بمفردها الند المباشر لأمريكا من جهة، ومن جهة أخرى بأنها – أي روسيا– ليست بصدد تشكيل تحالفات على غرار تحالفات وارسو أو الحلف الأطلسي حتى تنازع أمريكا على سيادة العالم”.

ويعتقد حطيط بأن النظام العالمي الجديد يتجه حالياً نحو إقامة “مجموعات إستراتيجية بين مكوّناته تتفق في بعض المواضيع وتتمايز في مواضيع أخرى، وتدخل روسيا بموجبه في مجموعة إستراتيجية مكوّنة من 3 عناوين، الأولى المجموعة الكبرى التي تلتزم فيها روسيا وهي دول “بريكس”، ثم المجموعة الإستراتيجية الإقليمية الشرق آسيوية والتي تتكون من روسيا والصين والهند، والأخيرة هي مجموعة الشرق الأوسط التي تتضمن “سوريا، إيران، روسيا، العراق، حزب الله واحتمالية وجود الصين”.

فيما ينطلق العبادي في وصف محاور العالم الجديد بناء على ما يحدث في سورية “فبدأ الوضع السوري ومن حوله يتمحور وفتح ساحات حروب بالوكالة بين جناحين، الجناح الإيراني العراقي السوري الروسي الصيني، والجناح التركي السعودي القطري الأمريكي الإنجليزي الفرنسي”.

بالرغم من تقسيمات العبادي للمحاور الجديدة، لكنه يتنبأ ضعف المحور الثاني نتيجة إما خوض الدول التابعة له بحروب جانبية في اليمن أو مع حركات الإخوان المسلمين، أو بسبب الإرباك الذي سببهدخول روسيا للولايات المتحدة تحديداً “أوباما شخصية مدنية سياسية وليست عسكرية، وأعتقد بأن الأمريكان سيظلوا على حافة الحرب ولا يستطيعون أن يعملوا بطريقة عسكرية، والدليل على ذلك بأنهم منذ سنة لم يحققوا (10%) مما حققه الروس منذ (10) أيام في سورية”.

أين يقف الأردن الرسمي؟

وقوف الأردن في المنطقة الرمادية، هو ما قدّ يكون الأمر الوحيد الذي أجمع عليه معظم المحللين، فيقول الكاتب والمحلل فهد الخيطان في مقاله بصحيفة الغد بأن الأردن اختار الوقوف على الحياد الإيجابي، وبالرغم من أن الأردن طرف أصيل في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، إلا أن له –مثل سائر أطراف التحالف- هامش مناورة تحكمه المصالح الوطنية الأردنية، والعلاقة مع روسيا حاضرة بقوة على قائمة المصالح هذه.

فيما يدعو ذيابإلى الأخذ بالمصلحة الأردنية التي لا تكمن بالوقوف مع أمريكا، بل في الوقوف مع الدولة السورية للحفاظ على استقرارها، وعدم فتح الحدود للجماعات الإرهابية للذهاب إلى سورية”، ملاحظاً بداية تحول في الموقف الأردني “وهذا أحسن من لا شيء” بالرغم من بقائه رسمياً في المنطقة الرمادية.

وقد يوضح حطيط موقف الأردن الذي يحتم عليه موقعه والمخاطر المحيطة به بقاءه غير منخرط في أي من المجموعات الإستراتيجية في المنطقة، “الأردن في الهوية العامة سيكون أقرب للمجموعة الغربية لكنه يملك خصوصية تجعله يمتنع عن الانخراط مع أي طرف بشكل يعادي فيها المجموعات الأخرى”.

التحول في الموقف الرسمي الأردني ليس مخفياً على أحد، عندما بادررئيس هيئة الأركان المشتركة الفريق أول الركن مشعل الزبن بتهنئة نظيره السوري ووزير الدفاع بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، لحقتها شخصيات روسية للأردن التقت خلالها الملك.

شعبياً، يعتقد ذياب أن الشارع سيرّحب كثيراً إذا ما ابتعد الأردن عن محور الأمريكي الصهيوني المعادي لسورية، بالأخص بأن طبيعة الصراع في المنطقة تقوده أمريكا لتطبيع العلاقات مع مشروع لها يُقسّم الوطن العربي.

ميدانياً، تحقق سوريا وروسيا انتصارات عسكرية على التنظيمات الإرهابية، الأولى برياً والثانية جوياً، في ترجمة حرفية للموقف الروسي الملتزم منذ بداية الأحداث السورية بضرورة إيجاد حل للأزمة من داخل سورية، موّفراً للدولة السورية عبر غطائه الجوي إمكانية بحث الحلول السياسية والعسكرية التي تجدها ملائمة لإنهاء أزمتها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى