لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
مقالات

عودة العلاقات الأمريكية الكوبية انتصار الصمود وتحدي الانتصار د. عصام الخواجا

 

تشكل عودة العلاقات الديبلوماسية بين واشنطن وهافانا تحولاً مثيراً للجدل في إدارة الصراع وإستراتيجية المواجهة بين الطرفين. وإن كانت الانعطافة الأمريكية باتجاه إعادة العلاقات الديبلوماسية مع كوبا تعبير عن فشل سياسات الحصار وعزل كوبا على مدار أكثر من نصف قرن من الزمن، فإن الدوافع والخلفيات الحقيقية للقرار الأمريكي مردها للمراجعة النقدية لدى أوساط نافذة في الإدارة الأمريكية ومراكز صنع القرار فيها، أنه آن الأوان لتبديل جذري في إستراتيجية المواجهة مع الجارة العنيدة كوبا، هذه الإستراتيجية التي أثبتت لمهندسيها ومنفذيها عقمها وفشلها، رُغمَ كل سياسات الحصار والتهديد في ثني الأخيرة عن السير في بناء نموذجها السيادي المستقل للدولة والمجتمع الاشتراكي، لا بل أن هناك إقراراً لدى هذه الإدارة، أن السياسة الأمريكية التي أعلن أوباما عن عقمها، دفعت كوبا باتجاه البحث عن عناصر القوة في ذاتها ومن ذاتها، وتحولت إلى عنوانٍ ونموذجٍ انتقلت عدواه لكل قارة أمريكا اللاتينية، من الحدود الجنوبية للولايات المتحدة وحتى البتاجونيا في جنوب القارة اللاتينية.

إنصافاً للحقائق التاريخية وللمواقف المبدئية، التي توارت عن ذهن الكثيرين، فإن بصمة كوبا المتمردة على اليانكي، نجدها حاضرة في كل نماذج اليسار الحاكم ومسيرة التغيير السياسي الديمقراطي وانعطافة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي الثورية.

انظر إلى رؤساء هذه الدول ستجد أن تسيّد الرجل الأريستقراطي الأبيض،  قد حل محله خليط من الزعماء والقادة الكاريزميين، هم نتاج التزاوج بين الأجناس الهندية والسوداء والبيضاء، وخُلاصة تشكل أمم وشعوب أمريكا اللاتينية في صراعها مع الإستعمار الإسباني والبرتغالي بشكل رئيسي.

كوبا وقيادتها لم تدعو ولم تروج لتقليدٍ ونسخٍ لتجربتها، ولم تمارس أستذة وهيمنة حتى مع أقرب أصدقائها، بل احترمت ودعمت خصوصيات وخيارات التنوع التي نبتت بشكل طبيعي بين ظهراني شعوب أمريكا اللاتينية والكاريبي، فطيف اليسار اللاتيني الحاكم فيه كل الألوان الزاهية التي تنبع بالحياة ونبضها.

إستراتيجية الصمود وحماية الثورة الكوبية لنفسها وشعبها في مواجهة العدوانية العسكرية الامبريالية الأمريكية، لم تكن يوماً إستراتيجية الهجوم، بل إستراتيجية الدفاع على أرض كوبا وليس خارجها، وكانت الرسالة الدائمة للولايات المتحدة الأمريكية بأن كوبا لن تستطيع منع غزوها وربما احتلالها من قبل الجيش الأمريكي، لكن الشعب الكوبي وثورته سيضمن للولايات المتحدة أن الجندي الأمريكي الذي يطأ أرض كوبا لن يخرج منها حياً، وكانت لهذا الغرض تجري مناورات “حرب كل الشعب” سنوياً من أقصى الجزيرة الى أقصاها، وكان ينخرط فيها كل مكونات المجتمع الكوبي دون استثناء.

في ظل سنوات الحصار والمعاناة وتداعيات انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية صمدت كوبا واجتازت عنق الزجاجة ولم تستسلم، ولم تقدم أي تنازل سياسي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، لا بل قدمت نموذجاً استثنائياً في المقاومة والتضامن مع الشعوب، فرغم قساوة الواقع، تقاسمت كوبا رغيف الخبز ومقعد الدراسة مع من احتاج دون انتظار مقابل، وهذا لا يعرف عن تفاصيله الكثيرون.

الولايات المتحدة الأمريكية أدركت أكثر من غيرها كل تفاصيل الصمود والصلابة والعناد الكوبي، ما أوصل مراكز اتخاذ القرار إلى الانتقال للخطة “ب” في تطويع الثورة الكوبية واحتوائها، وهذا لا يمكن أن يكون إلا من خلال الانفتاح وكسر المناعة الكوبية وتطويعها بالتعامل معها من خلال الأبواب المفتوحة التي قد تسهل التغلغل في ثنايا المجتمع الكوبي، وتخليق “المعارضة الديمقراطية” للنظام السياسي، ونشر نموذج “ال ن ج أوز” التخريبي، وترويج كل ما يمكن أن يساهم في تفكيك المجتمع الكوبي ونخره من الداخل، تماماً هي نفس الأدوات المستخدمة في أماكن ودول أخرى.

لذلك فإن كوبا، وبعد تحقيقها انتصاراً تاريخياً بالصمود المتلازم مع الارتقاء الشامل في وجه الحصار الصارم لمدة تزيد عن نصف قرن، تكون قد دخلت أخطر معركة سياسية مع العدو التاريخي لاستقلال كوبا وسيادتها على مقدراتها، معركة عودة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، والتي ستزيد من الأعباء في كل المستويات السياسية والاقتصادية والفكرية – القيمية. فلطالما حلمت الولايات المتحدة الأمريكية بضم وإلحاق أكبر جزر الكاريبي لولاياتها على غرار جزيرة بويرتوريكو.

ولن تُقَدِم الولايات المتحدة شيئاً، ولن تُقدِم على أي خطوة انفتاحية مع كوبا مجاناً، أو تنفيذا لمبدأ أخلاقي ينص عليه القانون الدولي، على أساس التعاون والاحترام المتبادل واحترام خيارات الشعوب وسيادتها واستقلالها، بل سيكون مطلبها الدائم تنازلاً كوبياً مقابل كل خطوة “تقارب” أو “تعاون” أو رفع جزء من الحظر والحصار (الملف الأهم والأكثر تعقيداً والذي ما زال قائماً).

وهنا تحضر مقولة مشهودة للقائد تشي غيفارا في إحدى خطبه عندما قال “أنه لا يمكن الوثوق بالإمبريالية ولا قيد أنملة” .

هذه قناعة تشي في حينه ، وهذه هي بوصلة تشي في أي علاقة مع الإمبريالية الأمريكية ، وتجربة الحياة والمواجهة والمعاناة في الصراع مع الإمبريالية الأمريكية لم تبرهن إلا على صحة وعمق القراءة لتي قدمها تشي في ذلك الخطاب المتألق.

تحديات الانتصار

أحد أبرز تحديات الإنتصار يكمن في غياب القيادة التاريخية العبقرية والمجربة، وتصدر المشهد من جيل قيادي جديد بنته الثورة الكوبية، فظروف تحمل هذا الجيل للمسؤولية مختلف جذرياً عن ظروف انتصار الثورة بداية العام 1959 وما تلاها من تحديات داخلية وخارجية تغلبت عليها الثورة بكل اقتدار، ولا شك أن هذا الجيل الجديد أهل لمتابعة النهج ولو بآليات جديدة تستجيب للمستجدات التي أفرزتها الحياة وتجربة بناء الدولة الكوبية الاشتراكية وتحدياتها، دون المساس بوضوح الرؤية والبوصلة الغيفارية.

التحدي الأهم والأكثر خطورة يمثله جيل الشباب الذي ولد والثورة متحققة، ومكتسباتها ومنجزاتها كانت بمتناول يده دون عناء الحرمان رغم حالة الصراع المحتدم مع الإمبريالية وعدوانيتها وتهديداتها التي شكلت أهم عوامل تحصين جسد الثورة والشعب الكوبي في حينه. فهل جيل الشباب الحالي، عماد بنية الدولة ومؤسساتها الآن وفي المستقبل القريب سيكون أميناً على كل هذا الإرث العظيم؟

جملة من التحديات الداخلية نلخصها بالحاجة للارتقاء في أداء الإنسان الكوبي وإنتاجيته، ومحاصرة أي مظهر من مظاهر الفساد والرشوة، وضمان الرقابة والمحاسبة، كشرط أساسي لديمومة الصمود السياسي في معركة المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة الأمريكية. إرث الثورة الكوبية كفيل بالانتصار أمام هذه التحديات، هذا رهاني.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى