فكر

حول مفهوم البرجوازية الوطنية .. فلسطين كمثال

لا تشكل هذه المقالة دراسة عن البرجوازية الفلسطينية ولا تدعي ذلك، لكنها تأتي في إطار ردّ على ملاحظة أوردها رفيقي العزيز إبراهيم العبسي والذي أُكنّ له كل الاحترام والتقدير وأشكره جزيل الشكر على إثارة هذا الموضوع النظري والسياسي الهام والذي لا بد أن نتفحصه جيداً.


لقد كانت ملاحظة الرفيق ابرايم العبسي رداً على فقرة ورده في مقالة لي في جريدة “نداء الوطن” في العدد(105) تحت عنوان “استسهال الخيانة الوطنية” حيث ورد في الفقرة الأخيرة من المقال:
(أما بعد أوسلو فلقد تشابكت مصالح البرجوازية الفلسطينية مع الاحتلال فأخذت على ضوء ذلك تقارف القذارة والشذوذ، وقد تنازلت عن حق العودة وعن تقرير المصير، وتنازلت عن القدس وعن معظم الضفة الغربية ووقفت بعنف ضد أي تحرك وطني فلسطيني يتطلع نحو التحرر والانعتاق، أي بمعنى آخر، لم تتبقى شيء من الحقوق الوطنية التاريخية والثابتة للشعب الفلسطيني إلا تم التنازل عنه فهي هذه خيانة أم وجهة نظر؟
أما في الشق الآخر من الوطن فهناك مقارفة خجولة وهي تحت عنوان تكريس الانقسام وهدنة طويلة الأجل، ولهذه المقارفة أيضاً جذورها وتشابكاتها الطبقية الواضحة، “ولا زلنا ولا زلنا نكابر” شفيت وعوفيت مظهر النواب).
أما ملاحظة الرفيق إبراهيم العبسي فتقول:
(نحن نعرف أن قسماً من البرجوازية الوطنية “شريحة” لها مصلحة مع الاحتلال (مصالح) ولكن لا يجوز اتهام الرجوازية الوطنية بالخيانة الوطنية فنحن وهم شركاء في مرحلة التحرر الوطني التي نعيشها، ونحن لسنا في مرحلة البناء الاشتراكي حتى نقول أنها لا تصلح كطبقة أن نتحالف معها.
وإلاّ لماذا ننادي بالوحدة الوطنية الفلسطينية كافة القوى على أساس البرنامج الوطني ونسعى مع الساعين لبلوغ هذا الهدف. أنا استغرب مثل هذا الطرح الذي يتبنا قضى مع الموقف السياسي والنظري). انتهت الملاحظة.
البرجوازية الفلسطينية هي مصطلح تم تعريفه في الاستراتيجية السياسية والتنظيمية الصادر عن المؤتمر الوطني الثاني للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المنعقد في شباط عام (1969) بما يلي: “إن البرجوازية الفلسطينية الكبيرة هي في الأساس برجوازية تجارية ومصرفية تتشابك مصالحها وتترابط مع مصالح الإمبريالية التجارية ومصالحها المصرفية. إن أساس ثروة هذه الطبقة ومصدر غناها هو سمسرتها للبضائع الأجنبية ووكالات التأمين والمصاريف الأجنبية، وبالتالي فهي في المدى الاستراتيجي ضد الثورة التي تريد القضاء على الإمبريالية ووجودها ومصالحها في وطننا، إن القضاء على الإمبريالية يعني القضاء على ثوراتها، وبما أن معركتنا ضد إسرائيل هي في الوقت نفسه معركة ضد الإمبريالية، فإن هذه الطبقة ستقف مع مصالحها أي مع الإمبريالية وضد الثورة”.
وتضيف الاستراتيجية السياسية والتنظيمية بقولها: “من الطبيعي ألا يكون هذا التحليل الاستراتيجي واضحاً تماماً لدى الجميع، ومن الطبيعي أن تتداخل معه مواقف تكتيكية ومواقف مؤقتة، وكذلك بعض الاستثناءات، ولكن ذلك لا يجوز أن يغيّب عن أعيننا الرؤية الاستراتيجية البعيدة المدى للأمور وللصور العامة”.
وتشير الاستراتيجية السياسية والتنظيمية على أن “البرجوازية الفلسطينية الكبيرة التي تعيش الآن في فلسطين _ وإن لم تكن قد انضمت بشكل سافر لإسرائيل _ إلا أنها في الوقت نفسه ليست قوة من تحول الثورة وهي تبقى موضوعياً للقوة الطبقية التي من خلالها سيحاول الأعداء دائماً إجهاض الثورة وإبقائها في منتصف الطريق”.
“أما البرجوازية الفلسطينية التي تعيش الآن خارج فلسطين فإن مصالحها _حالياً_ لا تتعارض مع العمل الفدائي طالما أن العمل الفدائي في هذه المرحلة يعيش إجمالاً ضمن آفاق نظرية وسياسية ومتتالية معينة…”.
لقد كان هذا التقرير والتقرير عام (1969) كما أسلفنا، لكننا يمكن أن نضيف إليه ما أورده الرفيق غازي الصوراني في كتابه “التحولات الاجتماعية والطبقية في الضفة الغربية وقطاع غزة” الصادر في طبعته الأولى عام (2009) حيث تناول البرجوازية الفلسطينية بالتحليل الدقيق ورصد تطورها وتشابك مصالحها مع الكيان الصهيوني وخاصة بعد اتفاقيات أوسلو، حيث يقول: “فمع توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة (1994) تغيرت ملامح البُنية الطبقية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، إلى أوضاع نقيضة، أدت إلى تراجع مفهوم وتأثير المجتمع السياسي بثوابته وأهدافه الوطنية التي جسدتها الانتفاضة الأولى (87_ 92) لحساب شروط اتفاق أوسلو من ناحية، ولحساب مصالح ودور الشرائح الطبقية الجديدة في سلطة الحكم الذاتي من ناحية ثابتة”.
ويضيف الرفيق الصوراني بأنها “بدأت في الظهور متغيرات في البُنية الطبقية الرأسمالية في المجتمع الفلسطيني ترافقت مع سلوكيات وأفكار سياسية مغايرة أو نقيضة للسلوكيات والأفكار الوطنية التي سادت المجتمع الفلسطيني قبل أوسلو”.
إذن نستطيع القول رداً على الملاحظة الواردة من رفيقنا العزيز ابراهيم العبسي التالي:
_ إن مصطلح البرحوازية الوطنية يعني تلك الشرائح من البرجوازية والتي تتناقض مصالحها مع مصالح الاحتلال ومع المصالح الإمبريالية والرجعية. وأن من تشابكت مصالحه مع الاحتلال لا يجوز أن نضعه في خانة البرجوازية الوطنية.
_ نحن في المقالة المذكورة لم نتهم البرجوازية الوطنية بالخيانة الوطنية، بل كنا نتكلم عن الذي تشابكت مصالحه مع الاحتلال وتحدثنا أيضاً عن مفارقة خجولة لمن خضع لتأثيرات تشابكات طبقية واضحة ونقصد هنا المعسكر الرجعي العربي الذي بفرض تأثيراته على طبيعة القرارات والتوجيهات التي تخدم العدو الصهيوني.
_ أتفق معك تماماً بأن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي شرط من شروط الانتصار على العدو وإن هذه الوحدة لا بد أن تقدم على أساس برنامج وطني. لكننا نؤكد بأن هذه الوحدة هي وحدة “وطنية” أولاً وأخيراً وقائمة على أساس برنامج وطني، ولن يستجيب من تشابكت مصالحه مع الاحتلال مع هذه الوحدة ومع برنامجها، ونحن من جانبنا لن نكلّ ولن نملّ في مطالبة كافة القوى الوطنية من أجل الاتحاد وعلى أساس برنامج وطني معادٍ للإمبريالية والصهيونية وحلفائهما.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى