لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
فكر

حول المساواة والتحرر

انطلقت حركة شعبية عفوية في فلسطين التاريخية مؤكدة على الوحدة التاريخية لهذه البلاد المحتلة على مراحل متعددة، وما لفت انتباهي هو تكرار لظاهرة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وهو التركيز على الفتيات الملثمات والمشاركات في “الانتفاضة”.

تكررت هذه الظاهرة عند مشاركة الكرديات في معارك عين العرب. هذه الظاهرة تعبر عن إفلاس أخلاقي وذكورية مكبوتة خلف أقنعة يسارية وتقدمية، لعل أكبر عدو للحركة النسوية التقدمية هو النسويين الذكور والفيمنيسيات المتعصبات لجندرهن أكثر من التعصب لقضية المساواة.

إن وجود المرأة بجانب الرجل في النضال الشعبي سواء كان الفلسطيني أو العراقي أو السوري ليس جديداً، ولكنه ظهر بشكل كبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبشكل مبتذل بين أوساط “يسارية” التوجه، فترك الكثيرون الحدث الرئيسي وركّزوا على فتيات ملثمات يشاركن الشباب في المهام النضالية على حواجز الاحتلال.

لو أردنا معرفة جذور وأسس هذه الظاهرة، علينا أن نلقي نظرة بسيطة على الحركة النسوية في عالمنا العربي.

بدأت الحركة النسوية المنظّمة مع بداية حركة التحرر الوطني العربي في خمسينات القرن المنصرم عبر الاتحادات النسائية والمكاتب النسوية التابعة للأحزاب السياسية والقوى الديموقراطية، لكنها شهدت انحساراً كبيراً كانعكاس لانحسار الحركات السياسية اليسارية والقومية، وأصيبت بحالة تراجع كبير مما فتح المجال لدخول منظومات فكرية غريبة لم تكن سوى مجرد نسخ لحركات نسوية تهدف إلى مساواة المرأة مع الرجل بدون أي سند فكري أو تحليل اجتماعي لموقع المرأة في المجتمع.

 فظهرت في الغرب حركات تطالب بأن لا تلبس النساء القطعة العلوية من ملابس السباحة “البيكيني” أسوة بالرجل، لو تغاضينا عن سخافة المطلب لا نستطيع  أن نتغاضى عن حماقة من ينقل تجربة كهذه في بلادنا التي لا تستطيع تقبل سباحة المرأة في مكان عام.

إن الكفاح النسوي في بلادنا أصعب بمراحل من الواقع الغربي بسبب آلاف القيود التسلطية على المرأة في بلادنا واختزال الكفاح النسوي بنسخ الحركات المتفسخة فكرياً والمبتذلة أخلاقياً.

إن الفيمينست الغربي يطالب أن تحصل المرأة على نفس حقوق وامتيازات الرجل كالحق بتعرية الصدر على الشواطئ ولكنها تتناسى وتتغاضى عن الانتهاكات اليومية بحق النساء من الطبقات العاملة والظروف المعيشية السيئة التي تعيش بها.

إن الحركة النسوية الحقيقية يجب أن تنطلق من منظومة فكرية تشمل الرجل والمرأة على السواء وتسعى لكسر العلاقات الاجتماعية التي رسخت سيطرة الرجل بل يجب أن تسعى لتهديم هذه البُنى الاجتماعية وإعادة بناء هذه القاعدة على أساس المساواة التامة، فالذكر لا يمتلك الحق بسلطته الاجتماعية على المرأة .

وخلال هذا الكفاح المشترك والذي يجب أن تكون المرأة شريكة أساسية في هذا النضال من أجل هذا الهدف الكبير. ولكن المراحل الاجتماعية لهذه النضالات يجب أن تأخذ بالحسبان العديد من العوامل أهمها القوى المناهضة للمرأة وتحررها وكيفية الكفاح ضدها .

أما هذه الحركات النسوية الانعزالية والتي تمجد الجندر النسوي وتعتبره أرقى وأنقى وتحتقر الذكر وتعتبر كل الإشكالات الاجتماعية والتمييز والاضطهاد الذي تعانيه المرأة بسبب “الذكر كذكر” فهي تعادي قضية المرأة مثلها مثل أي قوة رجعية لأنها تحرف النضال النسوي عن مهمته الأساسية وهي المساواة وإلغاء التمييز والاضطهاد وتحويل الصراع بين المرأة والرجل التقدميين وبين القوى الرجعية إلى صراع جندري لا يقدم ولا يؤخر وتساهم بظهور مجاميع فكرية غريبة عن أي تحرر ونضال.

إن الكفاح الصادم الخارج عن المقبول كفاحياً يسهم بخلق ردة فعل عكسية لدى جمهور من النساء يصبحن معاديات لأي حركة نسوية أو مطالبة بالتحرر من الذكورية والتسلطية الاجتماعية على المرأة بل تعتبرها نوعاً من أنواع “الحفاظ على دورها” كمرأة وتعزيز العبودية وترسيخ المهانة التي تتعرض لها المرأة.

بل ويساعد على ظهور حالات شاذة اجتماعياً وفكرياً تسمح لجمهور من المتفسخين أخلاقياً بأن يحولوا صورة طبيعية تعبر عن المساواة الفعلية بمشاركة الفتاة الفلسطينية في المقاومة الشعبية إلى مظهر من مظاهر الاستعراض وكأنهم يفضلون أن تقف الفتيات باللثام أمام “ستيج” لأخذ الصور التذكارية في هذا الكفاح الذي تشارك فيه المرأة منذ عام 1897 بصورة متساوية وكاملة.

إن الذين هلّلوا لفتيات بعض اللجان الكردية ومشاركتهن القتال إلى جانب الرجال في عين العرب لم ينتبهوا إلى نسوة “آمرلي” في العراق اللائي حملن السلاح ودافعن عن بلدتهم ضد آلاف الدواعش وسطروا ملحمة صمود أسطوري تكللت بالنصر بينما كشفت الأيام أن اللجان الكردية وصباياها الجميلات على صلات مشبوهة بمنظمات صهيونية في أربيل.

إن الكفاح النسوي يجب أن يكون من أجل إعادة بناء قيم مجتمعية جديدة ترتكز على قاعدة الشراكة والمساوامة ونبذ أي تمييز مع الأخذ بالخصائص الفسيولوجية للجندرين.

يجب أن يكون الكفاح النسوي من أجل إعادة بناء البنى التحتية والفوقية للمجتمع لا للتخلص من القطعة الفوقية من ملابس السباحة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى