فكر

العلمانية والفكر الإسلامي.. إمكانيات “التعايش السلمي” / الجزء الأول

ينظر الإسلام “الرسمي” إلى العلمانية كنقيض أو منافس لها بالحد الأدنى. ويعتبر رجال الدين الإسلامي أن العلمانية تشكل خطراً رئيسياً على سطوتهم على المجتمعات الإسلامية، واستطاعوا ربط العلمانية في أذهان الشعوب بالإلحاد و”الفكر المستورد من الغرب”.
يحاول هذا التقرير الذي سيتم نشره على جزئين، توضيح مفاهيم مغلوطة لدى المواطنين كالعلمانية والفكر الديني، والبحث في أسباب هذا الخصام التاريخي، وإمكانيات “التعايش السلمي” بينهما.

في مفهوم العلمانية
يرى الدكتور توفيق شومر أستاذ الفلسفة في جامعة فيلادلفيا والعضو المؤسس في اتحاد الشيوعيين الأردنيين، أن جدالاً عقيماً نشأ حول أصل المفهوم وهل هو مرتبط بالعلم أو بوصف من هم من غير رجال الدين، ويعتبر أن التعريف الشائع: أي أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، هو الأقرب إلى الدقة، لافتاً إلى أن التعريف المباشر لا يعني بأي شكل التعريف السائد بين العامة من أن العلمانية تعني الإلحادية.. ففصل الدين عن الدولة لا يتضمن إنكار الدين. كل ما يتضمنه التعريف أن لا تبنى الدولة على أسس دينية. فلا يجوز بالدستور العلماني أن يتم ذكر مصطلح “دين الدولة”. فالدولة –وفق شومر- ليست فرد ولكن هي ممثل لمجتمع كامل وهذا المجتمع قد يعتنق مجموعة متنوعة من المعتقدات، وبالتالي عندما يتم تحديد “دين الدولة”، فإن هذا التحديد، يعزل مجموعة كبيرة من المنتمين إلى الدولة من أن يتم تمثيلهم من الدولة.
ويضيف شومر في حديث خاص لـ نداء الوطن: “فإذا كانت الدولة “ديمقراطية” وممثلة “لجميع مواطنيها”، فمن الضروري لهذه الدولة أن تأخذ بعين الاعتبار أن الأفراد مختلفين ويختلفوا في عقائدهم. وفي مجتمع كالمجتمع الأردني مثلاً، فهناك المسيحي والمسلم والدرزي من أتباع الديانات وكذلك هناك الملحد، ونجد أن كل معتقد ديني له قانون أحواله الشخصية الخاص. وفي حال تبني العلمانية، فمن مهام الدولة أن تقدم قانون أحوال شخصية للدولة تحسم فيه الأمور بشكل موحد لكل أفراد المجتمع من جميع مكوناته، مؤمنين وملحدين، ذكور وإناث على حد سواء، ودون تفرقة بأي شكل.”
من جهته يرى الدكتور يوسف الربابعة أستاذ اللغة العربية في جامعة فيلادلفيا في حديثه لـ نداء الوطن، أن العلمانية على مستوى علمي، تعني تفسير ظواهر الكون بطريقة علمية بعيداً عن التفسيرات الدينية التي تعتمد ما وراء الطبيعة والقوى الخارقة في تفسيرها، فيما يعتمد العلم على معطيات مادية وقوانين طبيعية. ومن هذا المفهوم ظهر أيضاً مفهوم العلمانية في السياسة، حيث صار المطلوب أن تكون الأنظمة السياسة حاكمة باسمها ومسؤولة عن أفعالها أمام الناس، وليست سلطة دينية مسؤوليتها أمام الإله فقط، ومن ثم الفصل بين الآراء الدينية المقدسة في الحكم والآراء الدنيوية المختلف عليها بين الناس. وإبعاد الصراع الديني عن التدخل في الصراع السياسي.
ويختلف الباحث الأستاذ نصري الطرزي مع كل من الربابعة وشومر في تعريفه لمفهوم العلمانية، حيث يرى أنها ليست كما يشاع: “فصل الدين عن الدولة”، فهذا مجرد شعار عام يصعب ترجمته إلى تدبير عملي، ويختلف فهمه باختلاف قائله ومتلقيه.
ويعتقد الطرزي صاحب كتاب “العلمانية في سياق تحرري عربي” أن التعريف الأدق والأكثر عملية للعلمانية هو في فهمها على أنها تدبير سياسي يقوم على عدم قيام الدولة بفرض معتقد على الناس (دينياً كان أو غير ذلك)، ووقوف الدولة على مسافة واحدة من كل المعتقدات وعدم رعايتها واحداً دون الآخرين، وبعدم سعي الفئة الحاكمة اكتساب شرعية الحكم عن طريق الدين.
يُردف الطرزي، بذلك لا تكون العلمانية معادية للدين، فهي ليست معتقداً ولا تحارب المعتقدات، بل هي الضمانة الأهم لكي تتعايش المعتقدات المختلفة على قدم المساواة. فالمبدأ الجوهري الذي يفرض علينا النظر إلى المعتقدات على أنها متساوية هو في أنها، في جانب كبير منها، قائمة على الإيمان والتسليم من دون توفر دليل موضوعي على صحتها. وبهذا المعنى، فلكل الناس معتقدات مختلفة بغض النظر عن درجة تديّنها.
ويكمل الباحث الطرزي في حديث خاص لــ نداء الوطن، أن أي كلام عن المساواة في المواطنة من دون تبني العلمانية، يظل رطانة بلا معنى، وأي كلام عن الديمقراطية من دون الاستناد إلى العلمانية يظل شعاراً فحسب. إذ لا تقوم الديمقراطية إلا على قاعدتها الفكرية والثقافية اللازمة لها.
ويعتبر الأستاذ الطرزي أن هدف العلمانية الأسمى هو احترام الإنسان واحترام حريته الفردية في اختيار معتقده وممارسة هذا المعتقد والدعوة إليه وتغييره لو شاء. أما الادعاء القائل إن هدف العلمانية هو التجرد من القيم الأخلاقية، فمحض هراء، وتشويه للحقائق، ولا يعدو كونه سلاحاً يستخدمه من يتسربلون برداء الدين، ويستغلونه لغايات ومآرب شخصية وسياسية. لا بل يمكن القول إن العلمانية تمثل قيمة أخلاقية سامية لكونها تحترم حرية الإنسان، وبذلك فإنها تحتفي بالتنوع البشري في ظل وحدة الإنسانية.

في مفهوم الفكر الإسلامي
يعتبر الدكتور يوسف ربابعة أن هناك خلافات في تعريف الفكر الإسلامي، حيث يرى البعض أنه يشمل نتاجات الفكر لدى المسلمين عموماً مما هو مرتبط بالنص الديني وغير مرتبط به. وهو حسب الأغلبية كل ما أنتج فكر المسلمين في المعارف الكونية التي تبحث في الخالق والعالم والإنسان، وهو يعبر عن اجتهادات العقل الإنساني لتفسير تلك المعارف من خلال المبادئ، بغض النظر عن الحكم على مدى ارتباط هذا النتاج الفكري بأصل العقيدة الإسلامية، أو نتاج الفكر الذي يحاول دحض الفلسفات والنظريات السابقة، ليضع البديل الإسلامي محلها، أو كل نتاج للعقل البشري الموافق لمنهج الإسلام، أو كل ما هو غير تجريبي من مقومات الحضارة الإسلامية سواء كان تشريعاً أو علم كلام أو ما شابه ذلك. ومن ثم فإن كل إنتاج يقوم على العقل والفكر هو جزء من الفكر الإسلامي، بعيداً عن تقييده بالنص الديني والوحي.
فيما يرى الباحث نصري الطرزي أنه يمكن فهم هذا المصطلح على مستويين؛ الأول مستوى الفكر الذي يدرس الفقه أو الشرع، وهو بهذا المعنى أشبه بتخصص أكاديمي. لكن الفهم الأكثر شيوعاً لهذا المصطلح، يقوم على إسباغ الصفة الإسلامية على فكر بعينه في محاولة لإسباغ الشرعية عليه، وإسكات الأصوات الأخرى.
ويؤكد الطرزي أن الفكر الديني بهذا المعنى لا علاقة له بالدين، إنه وكما قال الراحل نصر حامد أبو زيد توحيد للفكر والدين بما يضمن طمس الفكر. وهذا “الفكر” ينكر العقل والطبيعة والتاريخ كما يقول الدكتور هشام غصيب. إنه فكر غير علمي يرسم واقعاً متخيلاً لا يصمد أمام النقد والملاحظة والتجربة، ولكنه يفرض رؤاه بقوة التكفير والنطق باسم السلف الصالح والإله وبادعاء أن هناك رؤية وحيدة صحيحة للأشياء هي الرؤية الدينية.
ويشدد الطرزي على الفوارق الجوهرية بين الدين والفكر الديني تجعل من الممكن التعايش بين الدين والعلمانية، لأنهما ليسا أضداد. لكن على مستوى الفكر والخطاب، فلا وجود لشيء مشترك بين العلمانية والفكر الديني. لا بل، وهذا جدير بالبحث والتمحيص، يمكن القول إن التعايش صعب جداً بين الدين والفكر الديني، إذ إن الفكر الديني يستحوذ على الدين ويفرغه من جوهره ومحتواه ويحوله إلى أداة طيعة تخدم مشروعه السياسي وسعيه للسيطرة على العقول والقلوب، ولا يعود الدين “رحمة للعالمين”.
من جهته يعتبر الدكتور توفيق شومر أن مصطلح الفكر الإسلامي يحمل العديد من التعريفات الممكنة، لافتاً إلى ضرورة تمييز تعريفين اثنين: الأول الذي يعتبر الإسلام حاضنة ثقافية لكل من يقطن في الحاضرة الإسلامية بغض النظر عن ديانته. والتعريف الآخر الذي يستند إلى أن الفكر الإسلامي هو الذي يحمل مرجعية دينية تعتمد على تأويل الإسلام.
ويلفت شومر إلى أنه يوجد اليوم مجموعة من تأويلات الإسلام السياسي التي تُقصي الآخر وتعتبر نفسها هي الوحيدة القابضة على الفهم الصحيح للإسلام.. وفي المجمل، فإن كل تأويل من هذه التأويلات يعتمد على مفهوم الفرقة الناجية التي استطاعت بالفعل أن تفهم مقاصد الله، بل إن بعضها قد نصّب نفسه مكان الله للحكم على البشر بالقتل والتنكيل، معتبراً أن كل من لا ينتمي إلى “الفرقة الناجية”، لا بد أن يتم تصفيته.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى