استيلاء “إسرائيل” على أراضي الكنيسة الأرثوذوكسية في فلسطين يفتح ملف “تعريب” البطركية

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في مطلع أغسطس الجاري، أقرت محكمة الاحتلال المركزية  قبول دعوى جمعية عطيرت كوهنيم الاستيطانية. وينص القرار على تأجير فندقي “إمبريال”، و”البتراء” في القدس والمبنى المسمى “بيت المعظمية”، لمدة 99 سنة، لثلاث شركات تابعة للمستوطنين، وبالتحديد لجمعية “عطيرت كوهانيم” الاستيطانية.، ورفضت المحكمة ادعاءات بطريركية الروم الأرثوذكس بأحقيتها بالعقارات.

واعتبرت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين أن القرار الذي صدر عن المحكمة المركزية الإسرائيلية بخصوص الصفقة التي عرفت بـ(صفقة باب الخليل بالقدس) سياسي بامتياز، ويستهدف مدينة القدس عاصمة دولة فلسطين. فيما أكد بطريرك المدينة المقدسة وسائر أعمال فلسطين والأردن ثيوفيلوس الثالث، أن الحكم في قضية باب الخليل المدخل الغربي الرئيسي للقدس الشرقية هو اعتداء خطير.

اتضح لاحقا –وفق ما نشر  موقع الجزيرة نت- أن البطريرك إيرنيوس أبرم صفقة باب الخليل لكنه لم يقبض ثمنها، وأن خليفته ثيوفيلوس الثالث وقعها وقبض الثمن وهو الذي عُول عليه بإبطالها.

بيع أراضي باب الخليل وقرار محكمة الاحتلال، أعاد فتح ملفي “تعريب” الكنيسة الأرثوذكسية، وملكية أراضيها وعمليات البيع التي تمت لدولة الاحتلال.

فبدعوة من المجلس المركزي العربي الأرثوذكسي في فلسطين والأردن والحراك الشبابي الأرثوذكسي، وبالشراكة مع فصائل منظمة التحرير، عقد في الأول من تشرين أول لهذا العام في مدينة بيت لحم، المؤتمر الوطني العربي الأرثوذكسي، الذي أعلن المشاركون في ختامه مقاطعة البطريرك ثيوفيلوس وعدم استقباله في أي مناسبة دينية واعتباره وحاشيته وكل من يسير في فلكه خارجا عن الصف الوطني.

كما قرر المؤتمرون التأكيد على “اعتبار الملف الأرثوذكسي وأوقافه وأبناء هذا الشعب العربي الأرثوذكسي ملفًا وطنيًا فلسطينيًا وأردنيا بامتياز ولا ينحصر في الحدود السياسية”، وأكدوا على اعتبار هذا الملف من الملفات الإستراتيجية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائل العمل الوطني كملف القدس، والعودة واللاجئين والأسرى، ووضع هذا الملف على سلم أولوياتها.

لاحقاً، شارك عشرات الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وأبناء الطائفة المسيحية الأرثوذكسية في مظاهرة دعا إليها مجلس الطائفة الأرثوذكسية الفلسطينية بمدينة حيفا أواخر تشرين أول، ضد بيع أملاك وعقارات تابعة للكنيسة الأرثوذكسية في القدس ومدن أخرى لجهات يهودية.

وحمّل المشاركون الذين تقدمهم رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية ونواب بالكنيست، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية ثيوفيلوس الثالث مسؤولية بيع هذه الأملاك، وطالبوا بعزله. ورفع المحتجون لافتات في شوارع حيفا القديمة تطالب بمحاسبة البطريرك وتدعو إلى تعريب الكنيسة الأرثوذكسية وتحريرها من الهيمنة اليونانية، على حد تعبيرهم.

حقيقة بيع الأراضي العربية الأرثوذوكسية

الناشط والمهندس إميل غوري لفت في حديثه لـ نداء الوطن إلى أن التقديرات تشير إلى أن الأراضي العربية الأرثوذكسية توازي من 8-10% من إجمالي أراضي فلسطين التاريخية ، و حوالي 28-30% من الأراضي داخل القدس القديمة/داخل السور.

وأشار إلى أن هنالك طرق عديدة إستخدمت عبر العقود الماضية للتفريط بهذه الأراضي و تسريبها للصهاينة، و قد كانت الطريقة الأكثر إستخداما هي التأجير طويل الأمد (99 عاما”) ثم تمديد التأجير لمدد إضافية و هكذا. و كانت هذه الصفقات التي تبرمها إدارة الكنيسة التي يسيطر عليها الرهبان اليونان تجري بسرية تامة و بحماية صهيونية ، لذلك من الصعب تحديد ما تم تسريبها. الأدهى أنه تم الكشف أخيرا” عن صفقات بيع كاملة و تغيير الملكية للعديد من الأراضي مثل رحافيا و الطالبية بغربي القدس (أكثر من 500 دونم) و قيساريا داخل الخط الأخضر و طبرية و يافا و غيرها و غيرها الكثير. اي بيع كامل و ليس تأجيرا”.

ولفت غوري إلى أن صفقة بيع باب الخليل (ساحة عمر) و هي داخل القدس القديمة – داخل السور- خطيرة جدا” لأنها تؤثر على ملكية الأرض داخل القدس العتيقة، حيث تم تأجيرها لمدة طويلة بوكالة من البطريرك اليوناني (المعزول) إيرينيوس لجهة استيطانية إسرائيلية، و عندما تم عزله و تنصيب البطريرك الحالي ثيوفولس، فقد زعم البطريرك الجديد  و من حوله أنهم سيسترجعون الأرض بالوسائل القانونية عن طريق المحاكم الإسرائيلية (الصهيونية)، إلا أن حكم المحكمة الصهيونية جاء بتثبيت تأجير أرض باب الخليل للمستوطنين الصهاينة. والآن يخرجون علينا بأنهم سيستأنفون الحكم لإسترداد الأرض و تقديم الأدلة الخ و مخاطبة المجتمع الدولي وهم يعلمون أن هذا كله لن يغير من الأمر شيئا”.

معيقات تعريب البطركية

وفيما يتعلق بتعريب البطركية، أكد المهندس إميل غوري مؤسس تجمع “موطني” على أن كلمة (تعريب) أكثر شعبية و مفهومة و معبرة بشكل كبير، لكنني أفضل استخدام كلمة (تحرير). وبالتعريف ، فإن الكنيسة هي مجموع المؤمنين ، و الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية الممتدة على أراضي الأردن و فلسطين التاريخية أبناؤها هم عرب بنسبة أكثر من 99% و بالتالي فإن عروبة الكنيسة ليست مكان شك والكنيسة ليست بحاجة  للتعريب فهي عربية. فالموضوع أنه لابد من تحرير هذه الكنيسة من العنصرية ومن الفساد و من التبعية للأجنبي و لابد من أن تكون كنيسة وطنية تعبر عن أبنائها و عن مرتكزاتهم الوطنية و مبادئهم و آمانيهم.

ويفسر غوري أسباب عدم تحقيق الأماني بتحرير هذه البطريركية رغم أن النضال لأجل تحريرها قد بدأ منذ حوالي 500 عام عندما استولى على سدة البطريركية بطريرك يوناني اسمه جرمانوس ، فإن هناك العديد من العوامل من أهمها:

أولاً: كانت مصالح السلطات السياسية هي بتأييد الرئاسة الكنسية العنصرية التي تترأس الكنيسة منذ أيام العثمانيين الذين قمعوا إنتفاضة عربية أرثوذكسية في بداية القرن العشرين بالقدس حيث استشهد أربعة شبان عرب مقدسيين أرثوذكسيين، وكذلك البريطانيين و طبعا” الصهاينة. كما أن الحكومتين الأردنية و الفلسطينية مقصرتان كثيراً في تحقيق أماني أبناء الشعبين و الوقوف إلى جانب مواطنيهم و إعادة الحقوق التاريخية لأبناء الكنيسة المقدسية. ونستثني من ذلك حكومة سليمان النابلسي بالأردن في الخمسينات  التي أصدرت قانونا” ممتازا” كان سيعيد الحق لأصحابه و يضمن الشفافية و الحوكمة و الوطنية و قيام أبناء الرعية بإدارة شؤونهم. لكن للأسف أُسقطت الحكومة وأُسقط قانونها.

ثانياً: وجود الإحتلال الصهيوني الذي يتسبب طبعاً في منع وصولنا إلى حقوقنا و قد صرح أحد القادة الصهاينة أن من أهم أركان قيام الكيان الصهيوني هي وجود الكنيسة الأرثوذكسية (المقصود طبعا” الرئاسة الكنسية).

ثالثاً: تداخل السياسي و الرعوي الروحي و المالي و الفساد، مما يتسبب في مواقف لا تصب في مصالح الكنيسة و لا في مصالح أبنائها و لا حتى بالمصالح الوطنية العليا للأردن و لفلسطين.

رابعاً: ما يحصل بالكنيسة من تهميش و الإلتهاء عن الرعية و مصالحها يصب في هجرة العرب المسيحيين للغرب، كما يصب في تقوية كنائس أخرى منها ما هو مشبوه تماما” من الناحية الوطنية و الروحية و هي ما اصطلح على تسميته بالمسيحية المتصهينة.

خامساً: عدم إلتفاف كافة أبناء الشعب حول القضية العربية الأرثوذكسية واعتقادهم أنها مسألة دينية خاصة تخص الطائفة هو من أسباب عدم تحقيق الأماني بتحرير الكنيسة. لن يستطيع أبناء الكنيسة الأرثوذكسية بمفردهم من أن يحققوا أمانيهم و أهدافهم الوطنية، لذلك لا بد من أن يعتبر الجميع أن هذه القضية هي قضية عربية و طنية بإمتياز.

سادساً: هناك مصالح و بروتوكولات دولية متداخله إضافة للعامل الصهيوني، فهناك العامل اليوناني و الأوروبي و مواقف الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا و اللوبيات الإسرائيلية واليونانية.

الحراك الشعبي في مواجهة ثيوفوليس

رغم الصمت الرسمي الأردني والفلسطيني على ممارسات الكنيسة، إلا أن هذا لم يحل دون تنامي الحركة الاحتجاجية الرافضة لممارسات البطرك، والمطالبة –في الوقت ذاته- للسلطة السياسية في كلا البلدين بالدفاع عن حقوق و مصالح المسيحيين العرب خاصة وأن المصلحة العليا الأردنية و المصلحة العليا الفلسطينية تتماهى بالكامل مع مطالبهم و حقوقهم التاريخية.

ولفت المهندس والناشط إميل غوري إلى تفهمه البروتوكول و تقديره الواجبات الرسمية ، لكن لابد للسلطة السياسية من أن تعبر عن أبناء شعبها و تتبنى مطالبه الوطنية.

وأشار إلى موقف الفصائل الوطنية الفلسطينية ومشاركتها بالمؤتمر الوطني العربي الأرثوذكسي، معتبراً أن هذا هو الموقف الطبيعي و المتوقع. إلا انه أبدى استياءه من الصمت الرسمي الفلسطيني، معتبراً أن اللجنة الرئاسية الفلسطينية أصبحت عملياً تقف ضد مطالب و أماني أبناء شعبها و أصبحت تبرر للبطريرك اليوناني ما يقوم به.

وفيما يتعلق بمطالب الحراك، أكد غوري على أن ما يهمنا بهذه اللحظة هو وقف التفريط بالآراضي و الوقف الأرثوذكسي  واسترجاع ما يمكن استرجاعه و لا نعني فقط باب الخليل بل كل الأراضي في كل مكان ، و أن يحدث تغيير بالوضع القائم لكي نضمن الشفافية و الحوكمة و أن يمنع أي بطريرك من التصرف لوحده.

كما شدد غوري على أن احتضان أبناء شعبنا الأردني الفلسطيني لمطالب العرب الأرثوذكس و قناعة الجميع بعدالة و وطنية هذه القضية هو ما يجعلنا متيقنين من الوصول للأهداف.

ويبدو أن الأحداث المتسارعة تؤمد على أن الحراك سيستمر و يتعمق –وفق غوري-، وستقوى الحاضنة الشعبية و سيقوى التأييد العربي له إلى أن تتحقق مطالبه باسترداد أراضي الكنيسة و”تعريب” البطركية.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.