آراء ومقالاتمقالات

58 عاما على انطلاق شعلة اليسار

تأتي الذكرى الثامنة والخمسون في سياق استثنائي، بعد عامين من حرب إبادة مجنونة شنّتها ولا تزال تشنّها إسرائيل ضد أهلنا في غزة، ما يضفي على هذه الذكرى خصوصية مضاعفة، ولا سيما أنها تتزامن مع وقف لإطلاق النار وفق مبادرة ترامب. هذا التزامن يفرض مقاربة نقدية عميقة للذكرى والحدث معاً، ويستدعي البحث الجاد في الدور والمسؤولية.

ينطلق السؤال الجوهري من صلب التجربة: هل قامت الجبهة بدورها المنوط بها كتنظيم يساري، وكيف تجلّى هذا الدور عملياً؟ وضمن هذه الرؤية، كيف تعاملت الجبهة مع طوفان السابع من تشرين الأول وما أعقبه من حرب إبادة شنّها الكيان ضد شعبنا في غزة؟

لفهم دور الجبهة كتنظيم يساري، لا بد من تحديد ما يُفترض بالحزب اليساري أن يقوم به. فاليسار ليس توصيفاً شكلياً أو لقباً سياسياً، بل هو فعل مقاوم للاستغلال، ومعناه التغيير والتقدم. الحزب اليساري هو القادر على تحويل الغضب الشعبي إلى قوة تغييرية منظمة، وهو الذي يرسم أشكال النضال وفق المراحل، ويرفع مستوى الصراع من طابعه العفوي إلى وعي طبقي وقومي بطبيعة العدو وأهدافه، وهو أيضاً الحزب الذي يوفّر أداة نضالية واعية وفعالة، وكوادر منضبطة قادرة على الفعل والتأثير.

اليسار الحقيقي هو حزب يقدّم نموذجاً في الربط بين القول والفعل، ويسعى إلى تحويل الأفكار إلى ممارسة، لأن غياب الحزب يحوّل جهود الحركة الشعبية إلى طاقة مبعثرة تفتقد البوصلة والاتجاه.

انطلاقاً من هذا الفهم، يبرز السؤال حول مدى قدرة الجبهة على تجسيد صورة الحزب اليساري بهذا المعنى. لا شك أن الجبهة، منذ لحظة إعلان تبنّيها النظرية الماركسية، انطلقت بجدية نحو بناء حزب ثوري وعياً وممارسة، ووفّرت الوسائل اللازمة للارتقاء بوعي كوادرها من خلال الدورات الفكرية المحلية والخارجية في الدول الصديقة. وقد انعكس هذا التوجه في مواقفها السياسية التي اتسمت بالوضوح والجرأة والمبدئية، حتى بات الموقف السياسي الواضح سمة أساسية للجبهة.

إن استقلالية الجبهة ورفضها الخضوع للضغوط، مهما كانت الظروف، أكسباها احتراماً جماهيرياً ومصداقية عالية. كما أن موقفها الجريء من الإمبريالية والأنظمة الرجعية أتاح لها شبكة واسعة من العلاقات التي أسهمت في تطوير عملها المقاوم، ولا سيما في الساحة الخارجية. ويُضاف إلى ذلك سجلها في العمليات النوعية ضد العدو، وما قدّمته من آلاف الشهداء والأسرى، وهو ما يؤكد نجاحها في الربط بين القول والفعل وتجسيد نموذج الحزب اليساري المنشود.

غير أن المسيرة لم تستمر دائماً بمنحنى تصاعدي، إذ تعرضت الجبهة لضربات متلاحقة من العدو، إلى جانب حالة الإرباك السياسي التي عاشها الشعب الفلسطيني بعد توقيع اتفاقية أوسلو. ورغم رفض الجبهة لهذا المسار، فإن المناخ العام الفلسطيني ألقى بظلاله عليها، ما أضعف قدرتها على التصدي الفاعل للمشروع التفريطي، وأتاح لتيار أوسلو الاستمرار في أوهامه وصولاً إلى الواقع الكارثي الذي نعيشه اليوم

إن الحديث عن تراجع دور الجبهة في مراحل معينة أمر طبيعي، فالثورات لا تسير في خط مستقيم، وغالباً ما تؤدي الظروف الموضوعية، وأحياناً القيادية، إلى حالات من الركود أو التراجع. وقد شكّل المؤتمر الأخير للجبهة محطة لإعادة ترتيب الأولويات وتجديد شبه كامل في الهيئات القيادية، ما أتاح المجال أمام جيل جديد من الشباب لتولي المسؤولية. ورغم أن التقييم الشامل لا يزال مبكراً، إلا أن معالم مرحلة جديدة بدأت تتشكّل بثبات.

الجبهة والطوفان

أما السابع من تشرين الأول، فقد كان طوفاناً حقيقياً جرف الكثير من المفاهيم وكشف زيف العديد من المسلّمات، في ظل الهجمة المعادية وحالة الهرولة التطبيعية وما سُمّي بالسلام الإبراهيمي، الذي لم يكن سوى تعبير عن استسلام كامل أمام العدو. جاء الطوفان ليبدد محاولات تلميع صورة الكيان، ويكشف حقيقته ككيان عنصري إجرامي لا يتردد في ارتكاب أبشع الجرائم.

واجه شعبنا هذه الحرب ببسالة أسطورية، وتصدى المقاومون للعدو بأعلى درجات الثبات والتضحية. شاركت الجبهة إلى جانب فصائل المقاومة، ودافعت بشجاعة، كما شاركت في معركة الإسناد إلى جانب المقاومة اللبنانية وقدّمت عدداً من الشهداء الأبطال، وفي مقدمتهم الرفيق نضال عبد العال. وكانت الجبهة وفية لجماهير شعبنا فكراً وممارسة، وقدّمت ما استطاعت من خدمات اجتماعية فرضتها طبيعة حرب الإبادة التي شنّها كيان فقد كل مقومات العقل والمنطق والأخلاق.

لقد تمادى العدو في جرائمه مدعوماً من إمبراطورية الشر التي انكشفت صورتها بالكامل من خلال دعمها العسكري والسياسي والدبلوماسي غير المحدود. ورغم حملات التضليل وقتل الصحفيين والتذرع الزائف بحق الدفاع عن النفس، فقد استيقظ الضمير الإنساني عالمياً، وبرز حضور شبابي ونخبوي وأكاديمي أدرك الحقيقة العارية بأن السردية الصهيونية لم تكن سوى كذبة لتبرير مشروع استعماري مدعوم غربياً، استُخدم فيه حتى الدين كأداة تعبئة وتبرير. هذا الوعي العالمي الجديد أعاد وضع القضية الفلسطينية في موقع مختلف، بوصفها قضية إنسانية بامتياز. وفي هذه اللحظة، ورغم تواضع الدور العسكري للجبهة، فإن حضورها السياسي ودورها الجماهيري أسهما في ردم الفجوة بين الفعل العسكري والحضور السياسي.

ثمانية وخمسون عاماً، بحلوها ومرّها، بنجاحاتها وإخفاقاتها، تؤكد أن المسيرة مستمرة، لا بحكم استمرار الاحتلال فحسب، بل بحكم الإيمان بالدور التاريخي للجبهة كطليعة تقدمية تناضل من أجل حرية الوطن وتحرير الإنسان. ويبقى الحفاظ على هذا الدور مرهوناً بالتمسك بمنطلقاتها الفكرية كما أقرّها مؤتمر شباط 1969، الذي حدّد بوضوح معسكر الأعداء المتمثل بإسرائيل والصهيونية والإمبريالية والأنظمة الرجعية المرتبطة بها، ورفض أي انزلاق نحو التيارات الليبرالية التي تحاول، باسم الواقعية، فتح أبواب التطبيع مع أنظمة تابعة وعميلة.

ما هو المطلوب من الجبهة..

في الذكرى الثامنة والخمسين، وفي ظل واقع الانقسام وحرب الإبادة والتخاذل العربي، يُطلب من الجبهة استعادة دورها التاريخي كقوة يسارية وطنية، والعمل على بناء مركز ثقل موحد داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار للمقاومة كنهج، والتصدي بحزم لكل محاولات الترويض والاستسلام.

إن قدرة الجبهة على النهوض بدورها والقيام بمهماتها تفرض عليها التمسك بوحدة الأرض والشعب، والاستمرار، من خلال الممارسة، في أداء دور الضمير الوطني. كما تفرض التمسك بشرعية المقاومة، وتعزيز حضورها وسط قاعدتها الاجتماعية، لأن من لا يمتلك حضوراً اجتماعياً يتحول إلى مجرد خطاب. ويقع على عاتق الجبهة أيضاً قراءة الواقع الطبقي الجديد بكل تعقيداته، في ظل اقتصاد المساعدات، وتفشي البطالة، وتفكك الطبقة العاملة.

وايضا وبعد هذه السنوات، وفي ظل التحولات العالمية المتسارعة، تبرز ضرورة تعزيز الجانب الديمقراطي داخل الجبهة عبر مؤتمرات دورية تفضي إلى تداول قيادي، وتمكين حقيقي لقطاعي الشباب والمرأة. كما يفرض الواقع التخلص مما أصاب الجبهة، كما غيرها من قوى اليسار، من جمود شعاراتي، واعتماد منهج تحليلي نقدي يستند إلى الواقع الملموس لا إلى الشعارات المجردة.

كما أن الحضور العالمي المتزايد للقضية الفلسطينية يفرض على الجبهة العمل على بناء جبهة شعبية عالمية مناهضة للصهيونية، عبر تطوير علاقاتها مع قوى اليسار العالمي، إلى جانب تطوير خطابها الإعلامي وأدواتها في فضاء الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.

وأخيراً، لا بد من الاعتراف بغياب مشروع وطني موحد يتجاوز الانقسامات والبرامج المرحلية، مشروع يقوم على وحدة الشعب والأرض والقضية، وعلى وسائل كفاحية تنسجم مع طبيعة المشروع الصهيوني. وفي هذا السياق، تبقى المقاومة المسلحة أداة مركزية لفرض رحيل الكيان. إن مواجهة عدو يحظى بدعم إمبريالي كامل تجعل من بناء جبهة وطنية مقاومة تضم قوى اليسار والقوى القومية ضرورة تاريخية لا غنى عنها لتحقيق الانتصار.

اظهر المزيد

د. سعيد ذياب

د. سعيد ذياب الأمين العام… المزيد »
زر الذهاب إلى الأعلى
Secret Link