ملاحظات حول اجتماع المجلس المركزي / د.فاخر الدعاس
حجم الاحتجاجات على اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني هي طبيعية ومتوقعة في ظل الظرف الاستثنائي الذي تعيشه القضية الفلسطينية، وفي ظل اغياب الثقة بالقيادة الفلسطينية التي كانت السبب الرئيسي للحال الذي وصلت له هذه القضية مع استمرار رهانها على المفواضات والتسليم بالرؤية الصهيو-أمريكية بل والتسويق لها منذ أوسلو وحتى ما قبل قرار ترمب.
في ظل هذا الواقع، فإن الشعب الفلسطيني خاصة والعربي بشكل عام، لم لن يراهن على أية قرارات قد تصدر عن المجلس المركزي الفلسطيني تكون بحجم الحدث، بل على العكس تماماً، الخشية من قرارات تثبط عزيمة الفلسطينيين، خاصة ونحن نرى القيادة المتنفذة في منظمة التحرير تواصل تنسيقها الأمني، وتقف متفرجة في الحد الأدنى أمام فرص إشعال انتفاضة فلسطينية ثالثة.
ويبقى السؤال: لماذا تشارك الفصائل الفلسطينية الوطنية في اجتماع المجلس المركزي في ظل هذا الواقع السيء والمرير؟
الدعوة لاجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كان مطلب كافة الفصائل الفلسطينية –بما فيها الجهاد وحماس والجبهة الشعبية-، منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي عن قراره باعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني. في المقابل، كانت المماطلة بعقد الاجتماع من قبل القيادة المتنفذة في منظمة التحرير وبالأخص الرئيس أبو مازن، الذي كان يخشى من أن يفرض ضغط الشارع عليه قرارات لا يستطيع تطبيقها في ظل ارتهانه لاتفاقية أوسلو تبعاتها.
مع تراجع الحراك الشعبي في الداخل الفلسطيني والمنطقة العربية، بعد تسويق إعلامي عربي ودولي –إلى حد ما- للتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه انتصار تاريخي، في محاولة –أعتقد أنها ستكون بائسة- لتهدئة الشارع إزاء قضية القدس، تمهيداً لتسويق تدريجي لـ”صفقة القرن”. أقٌول، مع هذا التراجع في الحراك، وجد الرئيس عباس أن عقد الاجتماع في هذه اللحظة سيكون “أخف الضررين”، فهو من جهة يستجيب لضغوط الفصائل الفلسطينية والشارع الفلسطيني، ومن جهة أخرى يستطيع التهرب من قرارات كانت ستفرض عليه لو قام بعقد الاجتماع قبل شهر.
لم يتخذ أي فصيل فلسطيني قراراً مسبقاً بمقاطعة اجتماعات المجلس المركزي. حركة الجهاد الإسلامي أعلنت “عدم مشاركتها” في الاجتماع لأسباب لوجستية تتعلق بمكان انعقاده وأخرى مرتبطة باستكمال شروط المصالحة الوطنية الفلسطينية ودخول حركتي الجهاد الإسلامي وحماس مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. أسباب عدم مشاركة حماس في الاجتماع لم تخرج كثيراً عما أعلنته الجهاد الإسلامي، مع إضافة إشكالية “العقوبات على قطاع غزة من قبل الرئيس الفلسطيني والحكومة”. كما أعلنت حركة حماس عن نيتها تقديم مذكرة تتضمن موقفها حول “الدور المطلوب من المجلس في هذه المرحلة الحساسة التي تمر بها قضيتنا الفلسطينية”.
إذن “عدم مشاركة” حماس والجهاد الإسلامي لم يكن ناتجاً عن إعلان حالة طلاق مع القيادة الفلسطينية المتنفذة رغم كافة التحفظات عليها، ولم يكن نتيجة “لاكتشاف” البعض أن معدل أعمار أعضاء المجلس المركزي الفلسطيني يتجاوز السبعين عاماً. بل إن هذه الـ”عدم المشاركة” جاءت من على أرضية الدخول والانخراط في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
تبقى مسألة حضور السفير الأمريكي الذي لم يحضر من الأساس، في ظل إشاعات كثيرة حول أسيباب عدم حضوره، إلا أن ما يهمنا هو أنه لم يحضر الجلسة الافتتاحية، وهذا كاف للرد على استفسارات البعض حول الحكمة من حضوره.
لم تعلن الجبهة الشعبية أو غيرها من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية مقاطعتها أو عدم مشاركتها في اجتماعات مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، لتقوم بمقاطعة هذا الاجتماع أو غيره. بل إننا اليوم في أمس الحاجة للعودة إلى تفعيل هذه المنظمة بعد أن حولتها “سلطة أوسلو” إلى أداة لتمرير وتبرير قراراتها وتوجهاتها. وما رشح من تسريبات لموقف الرفيق عمر شحادة العضو القيادي في الجبهة الشعبية في اجتماع اللجنة التنفيذية أول من أمس، لهو دليل قاطع على آلية تعاطي هذا التنظيم العظيم مع ملف منظمة التحرير والقيادات المتنفذة داخلها.
لم يعد هنالك ترف في التلاعب بمصير الشعب الفلسطيني و”التكتيك” عليه، كما لم يعد هنالك المزيد من الوقت للانتقاد ولوم الآخرين. المطلوب هو تحرك وطني يكون عنوانه الرئيسي توفير كافة أسباب النجاح لانتفاضة فلسطينية ثالثة من على قاعدة القطع التام والنهائي مع كافة الاتفاقيات السابقة مع الكيان الصهيوني، وعلى رأسها اتفاقية أوسلو والاتنسيق الأمني، بالتوازي مع مصالحة وطنية فلسطينية حقيقية يكون عمادها توسيع منظمة التحرير لتضم حماس والجهاد الإسلامي وتشكيل قيادة وطنية موحدة للحمرلحة المقبلة.