ثقافة وأدب

يعقوب زيادين.. عام على رحيل سنديانة الشيوعيين

مرّت سنة يا جدي الحبيب وما زلت أذكر لقاءنا الأخير، أمسكتني من يدي وأخذتني إلى غرفة المعيشة، طلبت مني أن أرفع صوت التلفاز ونظرت إلي بابتسامة جميلة قائلاً: “ختيرنا يا جدو”.

لم يخطر ببالي أنها نظرة الوداع، لم أدري أنك كنت تودع قناة المنار والميادين.. كنت تودع الفقراء والمساكين.. لم أكن أدري أنك كنت تودع القدس التي أحببت، وأنك يا جدي كنت تودعني.

سنة مرّت يا جدي بأيامها ولياليها، ودّعت ذلك اليوم قائدي ومعلمي وسندي، ودّعت إنساناً جباراً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، رجلاً في زمن كثرت فيه الذكور وقلّت الرجال.

كم نحن فخورون بهذا الإرث العظيم الذي تركته لنا، وكم نحن متحمسون لإكمال هذه المسيرة الشريفة النظيفة، مسيرة الفقراء والمساكين، مسيرة المظلومين والكادحين، مسيرة العدل والحرية، مسيرة الأقصى وكنيسة القيامة.

لقد كنت السنديانة، المعلّم والإنسان، الطبيب والسياسي، النائب والمعتقل، نائب القدس وسجين الجفر، طبيب الفقراء ومعلّم الكادحين وابن سماكية الكرك وحبيب أهل المدينة المقدسة.

أنت يا جدي من علّمنا بأن الطائفية والإقليمية والجهوية والعنصرية لا تصنع أوطاناً بل تدمرها.

أشتاق لك يا جدي.. أشتاق لأحاديثنا السياسية، أشتاق لنظرتك الثاقبة.. لغضبك وعنفوانك، أشتاق لمسكة يدك التي بقيت ثابتة صلبة حتى في آخر أيامك.

جدي حتى في مماته كان صلباً شجاعاً، شرب قهوته الصباحية وتصفح الجريدة، تمشى في الحديقة ودخل إلى غرفة نومه، وفارق حياته بهدوء والابتسامة على محيّاه.

فارق الحياة وهو يحلم بأمة عربية واحدة، يحلم باليوم الذي ستعود فلسطين فيه إلى حضنها العربي، فارق الحياة وهو خائف على مستقبلنا في ظل المؤامرات على شعوبنا العربية، فارق الحياة حزيناً على سوريا العرب التي مزقتها دولارات النفط وشرّدت أهلها في سبيل حرية وهمية لا تخدم إلا “إسرائيل” ومن والاها. فارق الحياة يحلم بغد أجمل، يحلم بمستقبل عادل، يحلم بيوم لا يكون فيه فقير أو محتاج.

غادرتنا يا سيد الرجال والعين تبكي والقلب يدمع ، تبكيك كل حبة رمل من صحراء الجفر علمتها أن الأرض ستبقى عربية ولو جار عليها الزمان، تبكيك قضبان المعتقل التي انحنت خجلاً وضعفاً أمام صمودك وصلابتك، تبكيك كل نسمة هواء مرّت عليك وحملت معها رائحة العروبة التي كانت عطرك، تبكيك الأردن برجالها ونسائها ودحنونتها، تبكيك قلعة الكرك بتاريخها وشموخها، تبكيك فلسطين والقدس وكنيستها وأقصاها، تبكيك عروبة أوشكت أن تموت، فأصبح العربي يقتل أخاه العربي، يبكيك قلب ينبض في الكرك، وعين أحبت عمان، ويد قاومت في القدس، وروح عاشت في نهر الأردن تروي الضفتين نضالاً.

اسمحوا لي أن اروي لكم قصة كيف تعرف جدي على والدي. فقد كانت جدتي ووالدي وعمي يعيشون في المنفى في ألمانيا الشرقية، وفي ظهيرة يوم بارد، كان والدي الذي يبلغ من العمر آنذاك ستة عشر عاماً يلعب أمام المنزل في برلين، وإذا بذلك الشاب الأربعيني طويل القامة صلب العود ينزل من سيارة الأجرة ويقترب من والدي سائلاً إياه باللغة الألمانية أين بيت الزيادين وإذا كانت الشقة في هذه العمارة، فما كان من والدي إلا أن نظر إليه باستغراب وبعض الغضب “من أنت” ؟ فأجابه جدي بأنه أتى من عمان لزيارة عائلته سائلاً والدي عن اسمه فعندما أجابه والدي ابن الستة عشر عاماً، قام جدي بحضن والدي بشدة قائلاً له “أنا ابوك ” “أنا ابوك”.

كم أنا فخور بحملي لهذا الاسم العظيم، كم أنا فخور بأنني ترعرعت في بيت سياسي عريق، أذكر سحابة الدخان في صالون جدي، أذكر النقاشات السياسية الطويلة بين الرفاق. أذكر قصة روتها لي والدتي عن زيارتي الأولى لجدي في عام 1989 في سجن السواقة، عندها كنت أبلغ من العمر ستة سنوات. قالت لي بأني كنت أصرخ كي أحضن جدي وأعطيه  قطعة من الحلوى لدرجة أن مأمور السجن حينها أحس باليأس وسمح أن يدخلوني إلى الداخل كي يحمل جدي حفيده للمرة الأولى. آه يا جدي، سامحني فلم أكن أعرف في حينها أني حفيد أعظم الرجال، لم أدري أنك كنت خلف القضبان دفاعاً عن حقوق الفقراء والمساكين، دفاعاً عن مبادئك وقيمك.

أصحاب المبادئ لا يموتون، ستبقى حيّاً فينا نحن جميعاً، ستبقى جزءاً من تاريخ  الأردن المشرّف وأبرز رجالاته، وستبقى جرأتك وصلابتك عنواناً للنضال، نضال سنتوارث جيلاً بعد جيل.

نم قرير العين يا جدي، فنحن سنواصل الكفاح، سنبقى في هذا الوطن الغالي ولن نغادر ترابه مهما حصل. ألست أنت من علمنا أن الأردن أمنا وأبانا وأن فلسطين قضيتنا المقدسة وأن العروبة هوانا..

أعدك بأني سأروي لأولادي وأحفادي قصصاً عن قائد بطل لم يساوم ولم يهادن ولم تغريه مناصب الدنيا كلها. أعدك بأن أكلمهم عنك وعن تاريخك وتاريخ رفاقك. سأكلمهم عن شجاعتكم سأعلمهم أن الحياة عبارة عن وقفة عز، سأقول لهم أنك ودّعت عالمنا هذا واقفاً كالأشجار، لم تنحني يوماً. أعدك بأن أقرأ لهم البدايات وأعلمهم بأنها ليست النهايات، فأنت لم تكن يوماً ممن أفسحوا للنهايات مجالاً.

نم قرير العين يا معلمي..

وداعاً يا سنديانة الشيوعيين

المحامي قيس خليل يعقوب زيادين 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى