آراء ومقالاتمقالات

هل تراجع مفهوم الصراع الطبقي؟ وهل أدار اليسار ظهره للصراع الطبقي؟

يدور في الذهن تساؤلان، الأوّل يرتبط بمفهوم الصراع الطبقي وهل تغيّرت طبيعة الصراع؟

التساؤل الثاني: هل أدار اليسار ظهره للصراع الطبقي؟ وإن كان الجواب نعم، فسؤالي لماذا؟

بدايةً، أعترف أنّ ولوج هذا الموضوع فيه نوع من الصعوبة، ولكن تناولي لهذا الموضوع يأتي في سياق التساؤل والحوار.

مفهوم الصراع الطبقي:

يرى الماركسيّون أنّ الصراع الطبقي هو المحرّك للتاريخ منذ أن انهارت المشاعيّة البدائيّة، وأنّ هذا الصراع في حقيقته صراع بين من يعمل ولا يملك، وبين من يملك ولا يعمل، وأنّ البشريّة انتقلت بفعل هذا الصراع من تشكيلة اجتماعيّة إلى تشكيلة أخرى بفعل الصراع. ففي المجتمع العبودي كان الصراع بين الأسياد والعبيد، وفي المجتمع الإقطاعي بين الإقطاع والفلاحين، وفي الرأسماليّة بين البرجوازيّة والبروليتاريا.

ما يمكن قوله إنّ الصراع الطبقي لم يختفِ، لكنّه أصبح أكثر ضبابيّة بسبب تحوّلات داخل الرأسماليّة والطبقة العاملة.

أرى أنّ صعود اللّيبراليّة الجديدة غيّر في الكثير من المفاهيم وفي أشكال الصراع، وقاد إلى خلق نوع من الالتباس حول مسؤوليّة الفقر مثلًا، إذ حملت اللّيبراليّة الفرد مسؤوليّة فقره، وأنّ هذا الفقر ليس نتاج نهب الرأسمالي.

لقد ترافق هذا مع تشكّل طبقات جديدة: نُخَب ماليّة وتكنولوجيّة، وطبقة وسطى متآكلة، وتراكم الثروة في يد الأقليّة مقابل أغلبيّة مهمّشة.

العامل الآخر هو تفتّت الطبقة العاملة، هذا التفتّت أضعف الوعي الطبقي دون أن يلغي التناقض.

صعود الرأسماليّة الماليّة بدل الرأسماليّة الصناعيّة بحيث بات الصراع موجّهًا نحو الديون والسكن والخصخصة، عامل منصّة مقابل الخوارزميّات.

هذا التحوّل قاد إلى خلق صراعات حول الهويّة والطائفيّة، الأمر الذي أضفى نوعًا من التهميش للصراع الطبقي، واستخطابات أخلاقيّة، كلّ ذلك على حساب الصراع الطبقي.

التساؤل الثاني يرتبط بتراجع مقولة الصراع الطبقي لدى اليسار.

أعتقد أنّ انهيار الاتّحاد السوفييتي وما نتج عنه من إرباك فكري وحالة من التشكّك في النظريّة، زد على ذلك ترافق ذلك مع صعود اللّيبراليّة الجديدة، وانتشار مقولة نهاية التاريخ، هذه العوامل مجتمعة دفعت أطرافًا من بعض اليسار إلى الانتقال من يسار بصبغة طبقيّة واضحة إلى يسار انتخابي، والقبول بقواعد السوق، واستبدال الصراع مع رأس المال إلى القبول بإدارة أو سلوك أكثر إنسانيّة.

أي بتعبير آخر: من حالة التناقض إلى حالة التكيّف.

أرى أنّ المشكلة لا تكمن في اختفاء الصراع، فهذا غير ممكن، لكن المشكلة في تحديد وفهم المتغيّر سواء على صعيد الطبقة العاملة أو على صعيد الرأسماليّة. فالعامل مثلًا يواجه شركة متعدّدة الجنسيّات وهو محصور في نضاله في وطنه، الأمر الذي يفرض فهم هذا الواقع لمواجهته في شكله وصورته الجديدة.

نحن أمام ظاهرة تفكيك الدول ونزعها أو تفريغها من دورها الاجتماعي، والرأسماليّة تمعن في نزع ملكيّة الدولة بما يزيد من تراكم ثرواتها.

اظهر المزيد

د. سعيد ذياب

د. سعيد ذياب الأمين العام… المزيد »
زر الذهاب إلى الأعلى
Secret Link