مقالات

معركة حلب .. وحروبنا المقدسة الملفقة في سوريا

هل استفدنا بما يكفي من تجارب تاريخنا الحديث؟
في آذار 2003 قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها وبتواطؤ عربي رسمي بغزو العراق لقلب نظام الحكم في البلد الشقيق تحت ذرائع إسقاط “الديكتاتور” صدام حسين والمعروف بعلاقاته مع القاعدة، وإخفائه لأسلحة الدمار الشامل!
آلاف الأطنان من الصواريخ والقنابل انهالت على رؤوس العراقيين تحت بصر وسمع العالم والعرب. تقدمت آلاف الآليات لتحتل العراق وتقتحم عاصمة الرشيد، ورافقتها تظاهرة إعلامية غير مسبوقة جعلت من هذه الحرب مشهداً إعلامياً مدهشاً وسط تصفيق المنبهرين في “العالم الحر” لهذا النصر المؤزر!
الدولة العراقية تفتت وتحول الجيش العراقي الكبير إلى أشلاء. ألقي القبض على الرئيس بعد نهاية العام، وتم إعدامه شنقا بعد 3 سنوات. استيقظ العالم متأخراً على سطوة التضليل الإعلامي، وأن صدام حسين لم يكن مقرباً من القاعدة، وأن أسلحة الدمار الشامل لم تكن سوى كذبة دولية خسيسة، وبدلاً من النظام الديمقراطي الموعود ، تحولت الأرض العراقية إلى حقل كبير لحرب عصابات ومافيات مذهبية يصعب السيطرة عليها، وحاضنة لتشكيل أكبر منظمة همجية إرهابية في العالم، وغرق العراق في أوحال 13 عاما من الفجيعة والدمار.

لم تندمل جراح العراق بعد، فيما نشهد حالياً نفس الماكينات الإعلامية، ونفس المقاربات يتم إعادتها في معركة حلب. منذ 4 سنوات تعيش المدينة وضعاً حرجاً مأساوياً يحافظ على إدامته توازنات استراتيجية تتجاوز الحدود السورية، وعندما قام الجيش السوري مؤخراً بدعم حلفائه بكسر هذه المعادلة واستعاد العاصمة الاقتصادية الهامة للبلاد، خضع هذا الموضوع من جديد كما هو شأن الحالة السورية، إلى ضجيج إعلامي وسياسي في الإعلام المحلي والعالمي، وقاد إلى استقطابات عدائية حادة، ومقاربات بائسة أوغلت بالمقاربات الطائفية والمذهبية وعجت مواقع التواصل الاجتماعي بنداءات “#حلب_تحترق” و “#أنقذوا_حلب”.

في الواقع فإن معظم المصادر الإعلامية اجتاحتها موجة من التحريض التسطيحي المتعمد في تدفق لمعلومات كارثية مفبركة مثل أخبار الخوذات البيضاء التي تتلقى دعماً كاملاً من واشنطن ولندن، أو عبر المنظمة السورية لحقوق الإنسان التي يديرها فرد يقيم قرب مقاطعة بريطانية ويتلقى دعمها.
جميع المصادر وحيدة وخاصة وغير محايدة لم تطأ قدمها حلب ومعروفة بمعاييرها الإنتقائية التي تتحدث عن ارتكاب الجيش السوري لإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، بينما كان المسلحون يقومون بإعدامات ميدانية بحق المدنيين والأسرى.
والجميع كان يعرف بأن شرق مدينة حلب كان يعيش منذ أربع سنوات في معاناة وبثمن إنساني لا يمكن إنكاره. كما سبب المسلحون فيه أيضاً، عذابات شديدة لسكان حلب الغربية الذين قتل منهم أكثر من 15 ألف خلال أربع سنوات، وتعرضوا لقصف ممنهج وقطع للمياه والكهرباء، وأحيلت حياة الناس إلى كابوس مرعب.
إعلامنا المحلي والعربي، تحول إلى رجع الصدى الساذج أو المتواطئ لمؤسسة كبيرة جداً لتلفيق وتشويه الأخبار حول طبيعة المسلحين والأهداف الحقيقية للحرب، لدرجة ترويج الحرب الأهلية وتبني الترّهات الطائفية والمذهبية، في محالات لتحريك الرأي العام. ودفع المجتمع الدولي لاستصدار قرارات للتدخل المباشر تحت البند السابع تسمح للمسلحين بالتقاط الأنفاس وإعادة تجميع الصفوف.
لا يمكننا إنكار الخسائر على المستوى الإنساني، ولا يوجد عمليات “جراحية” نظيفة في حروب المدن حتى لو سعى الجميع لتجنب الضحايا من المدنيين، ولكن ما سجل حقيقة على الأرض هي الخسائر الجسيمة في صفوف المدنيين التي اقترفها قصف التحالف الدولي في كل المواقع التي “زارها” بما فيها تدمير المشافي والمدارس والملاجئ. ويقوم الطيران التركي حالياً بارتكاب مجازر بشعة بحق السكان، ولكن رأينا الإعلام يسارع دوماً ليعتبرها خسائر جانبية ثم يتم التغاضي عنها نهائياً ومنذ بدء التواجد الروسي في المنطقة واشتراك قواته في القتال بداية أكتوبر 2015، جرت محاولات لنزع الشرعية عنه وتجريم عملياته، كما تم سابقاً مع مشاركة مقاتلي حزب الله، ومقابلتها بالتدخلات الغربية والإرهابية، وفي حقيقة الأمر هناك اختلافات كبيرة لدرجة التعاكس في الأهداف العسكرية والسياسية وفي الأساليب المعتمدة.
ورغم ذلك يحاول إعلامنا التعامي عن الدوافع السياسية الاستراتيجية للحرب على سوريا.
أريدَ لنا في المنطقة أن نتبنى الوجه الكامل للموقف الغربي، ولكن مؤخراً، سارعت الصحافة الأوروبية عموماً والبريطانية على وجه الخصوص بتقديم اعتذارات واضحة، واعترفت خلالها بأن ما جاء من أخبار حول حلب، ليس سوى بروباغندا إعلامية غير أخلاقية، تحاول أن تتخطى الحقائق ومواجهة ميزان القوى الذي يتطور على الأرض وأن ردود الفعل العنيفة قد جاءت من الطرف الذي اعتُبر خاسرا في المعركة بإبعاد وكلاء أنقرة وواشنطن وإضعاف تأثيرهم في الحلول المستقبلية وإخراج دول الخليج والإخوان المسلمين من بؤرة التأثير.
منذ البداية ظهر واضحاً بأن الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيين وتوابعهم في المنطقة، ليسوا معنيين بالتحول الديمقراطي السوري، وكل محاولاتهم تركزت على إدامة الصراع وإيقاع أكبر حجم من الأذى بحق الناس والمقدرات تمهيداً لإسقاط النظام والدولة حتى ولو استوجب ذلك دفع ثمنٍ باهظٍ من الضحايا والتدمير، وقد نصب هذا المحور كميناً للمعارضة الديمقراطية، وأسهمت جماعة الإخوان في سوريا بوضع السلاح مبكراً بيد هذه المعارضة وإخراجها بالكامل من الميدان لصالح منح المصداقية والشرعية للجماعات “الجهادية” المتشددة وتسيدها للمشهد.
لقد صمتت المجاميع الإعلامية والمنابر الأصولية عن الأعمال الوحشية لهذه المجموعات وهي تقارف الإعدامات الميدانية والتعذيب وحجز الرهائن وخطف الأطفال والتطاحن فيما بينها، ليأخذوا الشعب السوري بجميع مذاهبه وطوائفه وأعراقه كرهينة ومتاريس بشرية، ثم وظفت كل هذا التوحش في حروب ثارات عصبوية ضد “النظام السوري والنصيريين والروافض” ليصب في مصالح الغرب والكيان الصهيوني السياسية والاستراتيجية في المنطقة.
لقد أضعنا البوصلة، ولم نعد نعرف، هل الحرب على الإرهاب هي غايتنا، أم أن الأولوية تعطى لإسقاط الأنظمة بالسبل الإرهابية، وهي وصفة قادت تاريخياً إلى نتائج قاتلة.
وعلى وقع فوضى التعاطي مع الأزمة السورية راح البعض يؤسس للتحول من السلفية إلى التطرف السلفي “الجهادي” بناء على بنى ومقاربات سياسية وهوياتية تنطلق من التحريض على سورية وشيطنة كل ما يمت لها بصلة، تم تغييب الحقيقة والعقل بشكل متعمد، وهناك من وضع الشأن السوري في مستوى المقدس والالتزام العقائدي وتحريم الحوار والمراجعات.
هكذا، لم يكن بروز هذه الارتدادات الإرهابية مفاجئاً على الأرض الأردنية، فقد حذر الكثيرون من خطورة المناورات الرسمية الخاطئة في التعامل مع الإرهاب في سوريا، تماماً كما الحض على الكراهية والعنف الذي تقارفه اتجاهات سياسية وجماعات دينية، ما زالت تدعو المجتمع للنفير العام لنصرة “المجاهدين” في حلب والموصل. ولم يسأل أحد لماذا عندنا الآن 400 شاب يقضون محكوميات في السجون بعد التحاقهم بداعش، وأكثر منهم خارج السجون بعد قضاء هذه المحكوميات، ومن هذه الفئة من إرتكب الجرائم الإرهابية في الكرك، وتقدر بعض المصادر بأن هناك حوالي 3000 عنصر من الأردن ما زالوا يقاتلون في صفوف داعش وفتح الشام وهناك في المجتمع من يتعاطف مع هذا التيار، والأخطر وجود فئة تدير التحريض والترويج وتعمم ثقافة الكراهية والموت، تدين الإرهاب في الداخل بينما تناصره عند الأشقاء!
ظاهرة الإرهاب مركبة بأبعاد اجتماعية سياسية، ودينية ثقافية أيدلوجية، ومواجهته والتصدي له يجب أن تكون على كل هذه الخطوط، الكل يكرر بأن تصرفات الإرهابيين لا تمت إلى الدين بصلة، وهذا صحيح ولكن بالتأكيد هناك دور ديني تحريضي محرك ينطلق من المراكز والمنابر وقنوات الفتنة وخطاب يحرض على الكراهية والعنف، ويحاول أن يفرض نفسه على المجتمع بالإكراه.
إدانة الإرهاب والمقاربات الأمنية وحدها لا تكفي، والدعم الشعبي والالتفاف حول الدولة والتعاون مع الجيش والأجهزة الأمنية ضروري وحيوي، ولكن الحكومة ببرامجها وقدراتها وسياساتها أعجز عن مواجهة هذا التطرف الكاسح، وهنا يبرز الدور الأصيل والواعي لمؤسسات المجتمع المدني، لتقديم البدائل الحداثية المدنية، وتعزيز الحوار المجتمعي وتشكيل أدوات المجتمع القادرة على التصدي والإنقاذ.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى