بيانات وتصريحات عامة

مذكرة صادرة عن اللقاء الوطني للدفاع عن الحريات العامة  

بدعوة من اللجنة التحضيرية للجبهة الوطنية الشعبية الأردنية

عقد اللقاء الوطني للدفاع عن الحريات يوم السبت  الموافق 7/2/2026 في مقر الحزب الشيوعي الأردني وخرج الاجتماع بالتوصيات التالية:

إصدار مذكرة حول مصادرة الحريات العامة، وضرورة الالتزام بالدستور الأردني في حماية الحقوق والحريات، والدعوة إلى تشكيل لجنة وطنية للدفاع عن الحريات.  

مذكرة صادرة عن اللقاء الوطني للدفاع عن الحريات العامة  

أولًا: الإطار الدستوري للحريات العامة

انطلاقًا من أحكام الدستور الأردني، الذي نصّ في بابه الثاني على مجموعة من الحقوق والحريات العامة التي تُشكّل جوهر العقد الدستوري بين الدولة والمجتمع، وأحد الأعمدة الأساسية للنظام الدستوري، فقد كرّس الدستور بصورة صريحة مبادئ المساواة أمام القانون، وحماية الحرية الشخصية، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة والطباعة والنشر، وحرية الاجتماع وتأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، وحرية العمل النقابي، إضافة إلى ضمانات المحاكمة العادلة، وحرمة المساكن، وسرية المراسلات.

وتُشكّل هذه المنظومة ما يمكن توصيفه بالوظيفة الدستورية الثالثة للدستور، أي وظيفة حماية الحقوق والحريات وصونها من أي تعسّف أو تغوّل، سواء من قبل السلطة التنفيذية أو عبر تشريعات أدنى مرتبة من الدستور. وبموجب مبدأ سمو الدستور، فإن أي قانون أو نظام أو إجراء إداري يجب أن يلتزم بروح النص الدستوري ومقاصده، وألا يقيّد الحقوق والحريات إلا في أضيق الحدود، ووفق معايير الضرورة والتناسب، وبما لا يمسّ جوهر الحق.

ثانيًا: الانحراف التشريعي عن الوظيفة الدستورية

على الرغم من وضوح النصوص الدستورية، شهد الواقع التشريعي خلال السنوات الماضية انحرافًا متزايدًا عن هذه الوظيفة، تمثّل في سنّ وتعديل قوانين عادية قيّدت ممارسة الحقوق والحريات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومنحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لتقييدها استنادًا إلى مفاهيم عامة وفضفاضة، كالأمن والنظام العام، دون ضوابط دقيقة أو رقابة فعّالة.

وتنصّ الفقرة (1) من المادة (128) من الدستور على أنه: «لايجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمسّ أساسياتها». ويُلاحظ أن عددًا من القوانين الصادرة بعد عام 2012 – أي بعد تعديل الدستور وإضافة النص المشار إليه – لم يلتزم بهذا القيد الدستوري التقييدي على سلطة المشرّع، ويُعدّ قانون الجرائم الإلكترونية الصادر عام 2015 من أبرز الأمثلة على ذلك. 

وقد أفضى هذا المسار إلى قلب القاعدة الدستورية، بحيث أصبحت الحرية هي الاستثناء، والتقييد هو الأصل، في تعارضٍ صريح مع فلسفة الدستور ومقاصده. كما جرى استخدام بعض التشريعات كأداة للالتفاف على النص الدستوري بدلًا من أن تكون وسيلةً لتنفيذه وضمان احترامه.

ثالثًا: القيود العملية على الحريات العامة

يتجلّى هذا التفريغ العملي للحريات العامة بوضوح في مجال حرية الرأي والتعبير، حيث أُخضعت قضايا الرأي لتشريعات جزائية، وجرى توسيع نطاق التجريم، وفرض عقوبات سالبة للحرية أو غرامات مالية مرتفعة، الأمر الذي خلق مناخًا من الرقابة الذاتية والخوف، يتناقض مع الضمانات الدستورية الصريحة.

كما طال التقييد مصادرة حق الاجتماع والعمل الحزبي والنقابي، عبر اشتراط الموافقات المسبقة، أو التدخل الإداري والأمني في النشاطات والفعاليات، أو التدخل في الشؤون الداخلية للنقابات، رغم أن الدستور كفل هذه الحقوق بوصفها حقوقًا أصيلة لا يجوزتعطيلها أو مصادرتها. وقد أدّى ذلك إلى إضعاف الحياةالسياسية والنقابية، وإفراغ مبدأ التعددية والتنظيم من مضمونه الفعلي.

رابعًا: الأثر الدستوري والقانوني

إن استمرار هذا النهج التشريعي والتطبيقي لا يمثّل مجرد تجاوزات إجرائية أو أخطاء في التطبيق، بل يشكّل مساسًا مباشرًا بالوظيفة الدستورية للحريات العامة، وإخلالًا بمبدأ سمو الدستور، وتقويضًا لدوره كمرجعية عليا حاكمة للعلاقة بين السلطة و المجتمع. كما ينعكس ذلك سلبًا على الثقة العامة بالدستور وبمبدأ سيادة القانون، ويُضعف الأسس الدستورية لأي مسار إصلاحي ديمقراطي.

خامسًا: السياق السياسي والوقائع العملية

على الرغم من الخطاب الرسمي المتكرر بشأن الإصلاح السياسي وتحديث الحياة العامة، تشير الوقائع العملية إلى اتساع الفجوة بين النصوص الدستورية والتشريعية من جهة، والممارسات الفعلية من جهة أخرى، حيث سُجِّلت انتهاكات متكررة طالت الحريات السياسية والنقابية والإعلامية، إضافة إلى حلّ المجالس المحلية المنتخبة واستبدالها بمجالس مُعيّنة دون مبررات قانونية واضحة، بما يشكّل اعتداءً صريحًا على الإرادة الشعبية.

وقد تجلّت هذه الانتهاكات في ملاحقات قانونية بحق مواطنين وصحفيين ونشطاء سياسيين بسبب آرائهم أو منشوراتهم، وتقييد الحق في التجمع السلمي، ومنع عدد من الفعاليات والمسيرات، بما فيها الفعاليات التضامنية، فضلًا عن الاعتقال على خلفية التعبير عن الرأي، وفرض كفالات مالية مرتفعة، بما حدّ عمليًا منمشاركة المواطنين في الحياة السياسية والعامة.

سادسًا: الخلاصة والمطالب

بناءً عليه، تؤكد هذه المذكرة ما يلي:

1. ضرورة الالتزام الصارم بأحكام الدستور الأردني وروحه فيكل ما يتصل بالحريات العامة.

2. إجراء مراجعة شاملة للتشريعات الناظمة لحرية الرأي والتعبير، والاجتماع، والعمل الحزبي والنقابي، بما يضمن انسجامها مع النص الدستوري.

3. وقف استخدام القوانين الجزائية والإجراءات الإدارية كأدوات لتقييد الحقوق الدستورية.

4. ضمان ممارسة فعلية للحريات العامة باعتبارها حقوقًا أصيلة لا امتيازات مشروطة.

سابعًا: مطالب تفصيلية

1. وقف منع الأحزاب والهيئات السياسية والوطنية والشعبية من تنظيم المسيرات والمهرجانات السلمية للتعبير عن مواقفها السياسية التعديلات ، ولا سيما الرافضة للسياسات الصهيونية العدوانية، بما تمثّله من تهديد مباشر للأمن والسيادة الوطنية الأردنية. 

2. ضمان ممارسة الحكومة لولايتها العامة كاملةً، وفقًا لأحكام الدستور ومبدأ المسؤولية السياسية.

3. إجراء مراجعة شاملة للتشريعات الناظمة لحرية الرأي والتعبير والاجتماع والعمل الحزبي والنقابي، بما يضمن انسجامها مع النص الدستوري، وفي مقدمتها: قانون منع الجرائم، وقانون الجرائم الإلكترونية، وقانون الاجتماعات العامة، والتشريعات المتعلقة بحق التنظيم النقابي العمالي.

4. ضمان حق الأحزاب السياسية في عقد الندوات وتنظيم النشاطات المختلفة خارج مقراتها، واستخدام القاعات العامة دون قيود، وممارسة حقها في تنظيم المسيرات والاعتصامات السلمية.

5. الكفّ عن التدخل المباشر أو غير المباشر في شؤون النقابات المهنية والعمالية والهيئات الثقافية والاجتماعية، واحترام استقلاليتها، ووقف حلّ الهيئات المنتخبة أو التأثير في مساراتها الانتخابية.

6. وقف الانتهاكات الناجمة عن تطبيق القوانين ذات الصياغات الفضفاضة، بما يتعارض مع المادة (15) من الدستورالأردني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

7. وقف اشتراط الموافقات المسبقة لعقد الندوات داخل مقرات المؤسسات الثقافية، ومنع الفعاليات لأسباب سياسية تتناقض مع استقلاليتها.

8. إلغاء الفقرة (أ/2) من المادة (100) من نظام الموارد البشرية، لما تشكّله من اعتداء على الحق في العمل، وما تنطوي عليهمن فصل تعسفي يتعارض مع مبادئ العدالة الوظيفية والحماية الاجتماعية.

ثامنًا: الخاتمة

إن صون الحريات العامة، واحترام الحق في الرأي والتعبير، وضمان استقلالية العمل السياسي والحزبي والنقابي، واحترامإرادة الهيئات المنتخبة، تشكّل ركائز أساسية للاستقرار السياسي والاجتماعي. ويتطلب ذلك مراجعة جادة للسياسات والممارسات القائمة، والإفراج عن معتقلي الرأي، وإعادة النظر في التشريعات المقيدة للحقوق، بما ينسجم مع الدستور الأردني والتزامات الدولة الدولية، ويفتح الطريق نحو ديمقراطية حقيقية قائمة على المشاركة الشعبية وسيادة القانون.

اظهر المزيد

نداء الوطن

محرر موقع حزب الوحدة الشعبية… المزيد »
زر الذهاب إلى الأعلى
Secret Link