لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
مقالات

محمود درويش يؤرق الاحتلال بقصائده

بعد ثماني سنوات على وفاته، لا يزال الشاعر الفلسطيني محمود درويش وهو في قبره يشكل هاجساً وعمل إقلاق كبير للقيادات الإسرائيلية، التي ترى فيه عنواناً للهوية الوطنية والنضالية لشعبه. ورغم أن هذا كان معلوماً في الماضي حينما أصرّ اليمين الإسرائيلي على منع تدريس قصائده ضمن برامج التعليم الإسرائيلية، إلا أن أحداً لم يتخيل أن تصل الأمور إلى منع الدراسات عنه في المستوى الجامعي.


وقد بدأت المسألة حينما كتبت وزيرة الثقافة، ميري ريغف، (من «الليكود») تغريدة ضد بث برنامج في «الجامعة المذاعة» حول قصائد درويش. وفي تنافس معها، عمد وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان إلى استدعاء مدير إذاعة الجيش لاستيضاح الأمر منه.
وقد حملت ريغف بشدة على إذاعة الجيش الإسرائيلي التي تبث برامج «الجامعة المذاعة» لأنها بدأت تبثّ برنامجاً حول قصائد محمود درويش. وكتبت في تغريدة لها أن «إذاعة الجيش خرجت عن السّكة. فهذه المحطة الإذاعية العامة في وزارة الدفاع لا يمكنها أن تسمح لنفسها بتعظيم وتمجيد الرواية المعادية لإسرائيل في إطار برامج إذاعية تهتم بنصوص مؤسسة لهوية الإسرائيليين». وقد نشرت الوزيرة هذه التغريدة في وسائل الإعلام، قبل أن يبث البرنامج وقبل أن تعلم ما يحتويه.
وتضمّن البرنامج الذي بُثّ عبر إذاعة الجيش في إطار «الجامعة المذاعة»، مقابلة مع مترجم دواوين درويش إلى العبرية، الطيب غنايم. وتحدث المترجم عن قصيدة درويش، «سجّل أنا عربي» التي يعالج فيها مسألة هويته بعد النكبة والاحتلال.
وأبدت ريغف غضَبَها من إذاعة هذا البرنامج، مشددةً على أن محمود درويش ليس إسرائيلياً وأشعارَه ليست إسرائيلية و «جوهرها معارض للقيم المركزية في المجتمع الإسرائيلي. وعلينا محاربة مضامين التحريض الفلسطينية التي تظهر في كتبهم الدراسية ووسائل إعلامهم، وليس أن نمنحهم منبراً إضافياً بتمويل عام، وفي محطة عسكرية». وطالبت ريغف وزير الدفاع بـ «فرض النظام»، داعيةً إلى «إخراج إذاعة الجيش من تحت إشراف وزارة الدفاع».
ومعلوم أن ريغف منذ توليها وزارة الثقافة تناكف إذاعة الجيش وتسعى لإخضاعها تحت سيطرتها. ويرفض العاملون في الإذاعة أن تنقل المسؤولية عنهم إلى وزارة الثقافة التي تحاول ريغف فيها تكريس منهجية مكارثية، وتمنع كل نقدٍ باسم حماية «الوطنية الإسرائيلية». وكثيراً ما اتهمت ريغف الإذاعة بأنها لا تبث أغاني شرقية أو لا تبث لمغنيات وتقف بالمرصاد لكل من يعمل هناك. ومؤخراً شكل وزير الدفاع لجنة فحص لمعرفة مدى جدوى بقاء إذاعة الجيش تحت إشراف الجيش ووزارة الدفاع، معلناً أنه سيقرر موقفه بناءً على توصياتها.
وردت إذاعة الجيش على حملة ريغف بالإعلان أنها «أسست في السبعينيات الجامعة المذاعة كمنبرٍ إذاعي يسمح للجهاز الأكاديمي بإغناء وإثارة الفضول لدى مستمعي المحطة. ويستضيف هذا المنبر في الفصل الحالي سلسلةً طويلة ومتنوعة من المحاضرين والمواضيع، بينهم من حاضر عن كتابات الحاخام كوك، وجابوتينسكي، وهرتسل ونعامي شيمر ووثيقة الاستقلال. ونحن نؤمن بأن الحرية الأكاديمية تلزمنا بالسماح بالغنى الفكري الذي توفره للمستمعين».
وقد استدعى وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان قائد محطة «إذاعة الجيش» يارون ديكل للاجتماع به غداً في هذا الشأن. ونشر ديوان ليبرمان بلاغاً جاء فيه أنه «من الوجهة الظاهرية، الأمر يبدو خطيراً، حيث إن من كتب نصوصاً ضد الصهيونية لا تزال تستخدم حتى اليوم كوقود للعمليات الإرهابية ضد دولة إسرائيل، يحظى بأن تدرجه الإذاعة العسكرية وكتاباته كجزء من النصوص المؤسسة للمجتمع الإسرائيلي، سوياً مع «يروشلايم الذهب» و «طبق الفضة»». وأضاف أنه «بديهي أن هذ يشمل خللاً، ولا يمكن المرور عنه مرور الكرام».
وأثارت مسألة المواقف من نصوص درويش سجالاً سياسياً وفكرياً حاداً في إسرائيل. فقد ردّ عضو الكنيست إيلان غيلأون (من «ميرتس») على بلاغ ليبرمان، قائلاً إنه «في مكان يتم فيه إسكات الشعر والشعراء، سوف يسكتون آخرين. وصبيحة اليوم التالي لوصم سجل القوانين الإسرائيلي بالعار جراء إقرار قانون الإطاحة، الساعي لإسكات جمهور بكامله وإلغاء إرادته الديموقراطية، فإننا نرى كيف أن قادة الحكومة، السكارى بنشوة القوة والمتشبهين بأردوغان وبوتين، يسعون ببساطة لإلغاء شعر فاخر وشعراء ذوي تقدير».
واعتبرت عضو الكنيست شيلي يحيموفيتش من «المعسكر الصهيوني» أن استدعاء قائد المحطة «مخيفٌ ومثيرٌ للعار… والأمر يتعلق بفعل لا يمكن وصفه سوى بأنه فعل يميز الأنظمة الفاشية، يهدف إلى بث الخوف والرعب في نفس كل صاحب منصب».
بل إن وزير الدفاع السابق موشي يعلون حمل على ليبرمان قائلاً إن «الوضع يتطلب قيادة مغايرة تستطيع أن تتعامل مع مثل هذه المسائل». وأشار إلى «أنني أسمع ما ينوون فعله بإذاعة الجيش، يريدون تحويلها إلى صحيفة برافدا»، معتبراً أن ليبرمان يريد تحويلها إلى محطة ناطقة بلسان، لا إبقاءها محطة حرة.
ليس غريبا أن تكون قصيدة «سجل أنا عربي» أشد ما يثير غضب الصهاينة من محمود درويش وتراثه. فهو القائل: سجّل أنا عربي /سلبت كروم أجدادي وأرضا كنت أفلحها أنا وجميع أولادي/ ولم تترك لنا ولكل أحفادي/ سوى هذي الصخور/ فهل ستأخذها حكومتكم كما قيلا إذن/ سجل برأس الصفحة الأولى/ أنا لا أكره الناس/ ولا أسطو على أحد/ ولكني إذا ما جعت/ آكل لحم مغتصبي/ حذار حذار من جوعي/ ومن غضبي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى