اختطاف السيادة: فنزويلا ومواجهة “مبدأ مونرو” في ظل الغطرسة الأمريكية

أعتقد أن عملية “اختطاف” مادورو (سياسياً وقانونياً عبر العدوان الأمريكي) يجب أن تُقرأ من زوايا متعددة، ولكني أرجح وجود ثلاثة عوامل أساسية من الواجب أخذها بالحسبان عند محاولة فهم هذا العدوان:
أولاً: صعود اليسار في أمريكا اللاتينية شهدت أمريكا اللاتينية صعوداً لافتاً لليسار، وتحديداً بعد عام 2020. كان هذا الصعود نتاج نضال القوى التقدمية من جهة، وفشل السياسات “الليبرالية الجديدة” التي تمثلت بالخصخصة وتفكيك الدولة وانسحابها من عملية التنمية، والارتهان للأسواق العالمية. لقد أدت عودة اليسار إلى استعادة الدولة لدورها كفاعل مركزي في عملية التنمية وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل، وفرض السيادة الوطنية على ثروات البلاد، وتعزيز النزعة الاستقلالية عن الهيمنة الإمبريالية. وكانت فنزويلا في بؤرة الاستهداف لامتلاكها أكبر احتياطي نفط في العالم؛ وقد عبر “ترامب” وممثل أمريكا في مجلس الأمن صراحةً عن عدم قبول “فنزويلا معادية” في جوارهم. أدركت الولايات المتحدة أن تنامي اليسار —بما يعنيه من سياسة تحررية— من شأنه ضرب “الحديقة الخلفية” لها. ومن هنا، ولما تمثله فنزويلا من دور يساري متقدم، قامت أمريكا بشن عدوانها وتجاوز الرئيس مادورو دون أي احترام للشرعية الدولية أو للقانون الدولي؛ حيث تعاملت واشنطن مع المسألة كخطوة استباقية لقطع الطريق على تنامي اليسار وامتداده.
ثانياً: مبدأ مونرو وإستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديد في الموضوع هو التوجه الأمريكي المتمثل بتفعيل “مبدأ مونرو” باعتبار أمريكا اللاتينية مجالاً حيوياً لا يُسمح فيه بقيام نماذج سيادية خارج السيطرة، ولا بصعود قوى يسارية يهدد صعودها الهيمنة الأمريكية المطلقة.
ثالثاً: شعار “جعل أمريكا عظيمة مجدداً” وانعكاسه على السياسة الخارجية يبدو أن ترامب، عندما رفع شعاره “عودة أمريكا عظيمة”، كان مشدوداً إلى الماضي؛ إلى أمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث التفوق الصناعي والعسكري المطلق. وهو في حقيقته حنين إلى الهيمنة غير المتنازع عليها، قبل صعود الصين وقبل “عولمة” يرى فيها مجرد وسيلة لتفريغ الصناعة الأمريكية من الداخل. لذلك جاءت إجراءاته لحماية الصناعة الوطنية عبر الرسوم الجمركية وضبط الهجرة. وقد تشكل تيار “MAGA” الذي يرى العودة للعظمة عبر فرض الهيمنة بالقوة، والتخلي عن الحلفاء التقليديين، وتحويل السياسة إلى لغة “صفقات”. وفي الوقت ذاته، جرى الانتقال من “القيادة الناعمة” وتسويق شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى “القوة الخشنة”؛ فلم يعد ترامب يميز بين نظام استبدادي أو ديمقراطي، فالمهم لديه هو مدى تبعية هذه الدولة أو تلك.
ولم تنعكس هذه الرؤية على فنزويلا وأمريكا اللاتينية فحسب، بل طالت حتى أوروبا. أما بالنسبة لمنطقتنا، فكانت مجمل انعكاساتها سلبية؛ لأنها تنطلق من اعتبار المنطقة مجرد “أداة وظيفية” وليست شريكاً سياسياً. لقد تعامل مع القضية الفلسطينية كعبء سياسي وعقبة أمام ترتيب المنطقة، مؤمناً بأن “أمريكا العظيمة” تعني “إسرائيل أعظم”.
ونتيجة لهذه السياسة، تم تكريس التبعية وتآكل مفهوم الدولة العربية، بل ووضعها في دائرة مشاريع التقسيم. والنتيجة كذلك كانت التعامل مع “التطبيع” كمدخل للهيمنة وبديلاً للحل السياسي. هذه هي رؤية ترامب وفلسفته، ولا غرابة في استهدافه للرئيس مادورو، فهو رجل لا يقيم اعتباراً للأعراف الدولية.
