لماذا تمَّ حَرْقُ الكُتُبِ في التُّراثِ العربيِّ الإسلاميِّ؟

كان اختراعُ الكِتابةِ بدايةَ مرحلةٍ فاصلةٍ بين التاريخِ وما قبلَ التاريخِ، وكان ذلك قبلَ ثلاثةِ آلافِ عامٍ قبلَ الميلاد. ظهرتِ المِسماريَّةُ في بلادِ ما بينَ النَّهرين، والهيروغليفيَّةُ في بلادِ وادي النِّيل.
تُسجِّلُ الكِتابةُ تاريخَ الأُممِ وأحداثَها، نَجاحاتها وهَزائمَها.
والموضوعُ ليس الهدفُ منه التأكيدَ على أهميَّةِ الكِتابة، بل الإشارةُ إلى ظاهرةٍ انتشرت في التاريخِ العربيِّ، وهي ظاهرةُ حَرْقِ الكُتُب.
حيثُ كانت تُحرَقُ كُتُبُ الفلاسفةِ بحُجَّةِ الزَّندقةِ والإلحادِ ومخالفةِ السَّلَفِ.
وقد تمَّ حَرْقُ كُتُبِ ابنِ رُشدٍ بأمرٍ من الخليفةِ، وليس بإجماعٍ فِقهيٍّ، وكان السِّياقُ هو الصِّراعَ بين العقلِ الفلسفيِّ والسُّلطةِ الدِّينيَّةِ.
ولم تقفْ هذه الظاهرةُ عند تلك الحُدود، بل تمَّ حَرْقُ الكُتُبِ كنتاجٍ للصِّراعِ المذهبيِّ السُّنِّيِّ والشِّيعيِّ، أو الخلافِ بين المُعتزلةِ والأشاعِرةِ، حيثُ أُتلفتْ كُتُبُ المُعتزلةِ بعد أُفولِ نفوذِهم عقبَ عصرِ المأمونِ.
كما شهدنا إتلافًا ذاتيًّا، كما فعل أبو حيّانَ التوحيديُّ الذي أحرقَ كُتُبَه يائسًا من عصرِه.
واللافتُ للنظرِ أيضًا حَرْقُ الكُتُبِ في الحُروب، كما حدثَ عند سقوطِ بغدادَ في غزوِ هولاكو بدافعٍ همجيٍّ عامَ 1258م، وكذلك عند سقوطِ الأندلسِ، حيثُ أُحرِقَتِ الكُتُبُ العربيَّةُ على يدِ محاكمِ التفتيشِ.
إنَّ حَرْقَ الكُتُبِ في دلالتِه يعكسُ خوفَ السُّلطةِ من المعرفةِ، ويُدلِّلُ على أنَّه كلَّما تراجعتْ شرعيَّةُ السُّلطةِ ازدادَ القمعُ المعرفيُّ.
وهذا النهجُ لا يزالُ يفعلُ فعلَه في أوطانِنا، لكنَّه يأخذُ صورًا جديدة؛ فبدلَ الحَرْقِ المباشرِ، يجري المنعُ عبر قوانينِ المطبوعاتِ والنَّشرِ، وعدمِ التَّرخيصِ، والخوفِ من الفِكرةِ القابعةِ بين ثنايا الكِتاب.
ونلاحظُ أنَّ الكُتُبَ التي تُعيدُ قراءةَ التاريخِ، والكُتُبَ التي بحثتْ في أسبابِ النَّكبةِ، وكشفتْ تحالفَ السُّلطةِ ورأسِ المالِ، هي الأكثرُ استهدافًا.
كما تحاولُ السُّلطةُ استخدامَ المؤسَّساتِ الدِّينيَّةِ لتحديدِ ما هو مسموحٌ وما هو ممنوعٌ، وتمنعُ الكُتُبَ التي تفضحُ التَّطبيعَ.
اليومَ لا تُحرَقُ الكُتُبُ فقط، بل تُحرَقُ الذَّاكرةُ والمناهجُ.
وأقولُ إنَّ السُّلطةَ التي تخشى الكِتابَ هي في حقيقةِ الأمرِ تخشى الذي يَقرأُ الكِتابَ.