لماذا التخلّي الرسميّ العربيّ عن غزّة؟

بعد مشاهدتي لذاكَ الرجلِ في غزّة وقد حمل طفلَيْه، والمياهُ تُداهم خيمتَه، وهو يصرخ: يا عرب! يا مسلمين! حضرت إلى ذهني ثلاثُ صور.
أولُها قولُ عمرو بن كُلثوم — أو كما تُروى عن عمرو بن كَرِب الزُّبيدي — مخاطبًا المُنادى بأن لا فائدةَ تُرجى منه، إذ يقول:
لقد أسمعتَ إذ نادَيْتَ حيًّا
ولكن لا حياةَ لِمَن تُنادي
ثاني هذه الأمور واقعةُ تلكَ المرأةِ التي صرخت: وامعتصماه! مستغيثةً بالمعتصم بنِ هارون الرشيد، الذي لبّى النداءَ وجهّز جيشًا كان على رأسه هو، ففتح عَمُّوريّة وهزم الفرنجة. صورةُ الإباء والحمِيّة هذه، هي ما دفعَ شاعرَنا العظيم عمر أبو ريشة إلى قوله:
رُبَّ وامعتصماهُ انطلقتْ
ملءَ أفواهِ الصبايا اليُتْمِ
لم تلامسْ أسماعَهمُ
لكنْ لم تُلامِسْ نخوةَ المُعتصِمِ
أمّا الأمرُ الثالث، فتلك الصورةُ التي جسّدها الشهيدُ العظيم غسّان كنفاني في روايته رجال في الشمس، حين سألهم: لماذا لم تَدُقّوا جدرانَ الخزّان؟
ها هم يدقّون الخزّانَ اليوم، ويصرخون، ولكن لا أحد يسمع، ولا أحد يحسّ. تبلّدت أحاسيسهم، وفقدوا السمعَ والبصر والبصيرة يا غسّان.
ونحن نشاهد هذا المنظر، حيث تتدفّق الملياراتُ للاستثمارات في أمريكا، ويتباهى حكّام العرب بنيلِ كلمةِ إطراء من ترامب، في الوقت الذي يَضِنّون فيه على إخوانهم العرب ولو بالقليل، بحيث لو توجّهت هذه الملياراتُ إلى الدول العربية لحُلّت مشكلةُ البطالة والفقر العربيَّيْن.
لكن لا يُرتجى من المُنادى عليهم، ولا أملَ فيهم.
لكن لماذا كلّ هذه البلادة في الإحساس؟ ولماذا الإشاحةُ بالوجه عن الحرب التي تُشنّ على أهل فلسطين وأهل غزّة، وهذا التخلّي عن المسؤولية؟
أعتقدُ أنّ هناك أسبابًا مرتبطةً بالتحوّل في النظام العربيّ، وأسبابًا أخرى متعلقةً بالبنية الطبقية لهذه الأنظمة.
لقد حدثت تغييراتٌ كبيرة على بنية النظام العربيّ، وبات منطقُ الدولةِ القُطريةِ هو السائد، وأصبح أمنُها الداخليّ له الأولوية على حساب الأمن القوميّ. وراحت هذه الدولُ تتذرّع بارتباطاتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية مع أمريكا لتُبرّر قصورَها أو إحجامَها عن مساعدة أهل غزّة.
وأعتقد أن الخوفَ من انتقال العدوى الثورية للمقاومة إلى الشعوب العربية كان هاجسًا لهذه الحكومات؛ لذلك رأت أنّ أيَّ دعمٍ للمقاومة لا يمكن قراءتُه إلّا كتشجيعٍ لروح المقاومة وتعزيزٍ للإرادة الشعبية. ومن هنا يمكن فهمُ التضييق على حراك الشباب العربيّ؛ فحتى الهُتافُ أو حملُ العلم كفيلٌ بمحاكمة مَن يقوم به وسجنه.
وأصبح همُّ هذه الأنظمة هو البقاءَ في الحكم، لا غير. ولا يشغلها دعمُ فلسطين ولا مقاومتها.
لكن علينا أن نحدّد: لماذا هذا الدور؟ ولماذا هذا الحال؟
أعتقدُ أن دولَنا وحكوماتِنا ليست كياناتٍ محايدة، بل هي — في الحقيقة — أدواتٌ في يد الطبقات الحاكمة، التي قد تكون برجوازيةً ريعيّة، أو بيروقراطيةً أمنية، أو كُمبرادورية، أو مجتمعةً أو متحالفةً. وهي بطبيعتها مرتبطةٌ كليًّا بالخارج وتأتتمر بأمره.
وإذا ما اتفقنا على أنّ إسرائيل ليست إلا أداةً أو رأسَ حربةٍ للرأسمالية العالمية، إضافةً إلى كونها مشروعًا استعماريًا استيطانيًا توسعيًا، وأنّ المقاومة مشروعٌ شعبيٌّ تحرّريٌّ على النقيض منها؛ فإنّ أيَّ دعمٍ لهذا المشروع — أي مشروع المقاومة — يُشكّل تهديدًا للأنظمة نفسها ولِهَيكليّتها السياسية.
فالحرب في غزّة كشفت بعمقٍ الطابعَ الطبقيَّ للصراع: بين قوى تحرّرية من جهة، وقوى تابعةٍ طفيليةٍ غير منتِجة من جهة أخرى.
وإدراكُنا لذلك سوف يساعدنا على الكفّ عن الرهان على هذه الأنظمة وهذه القوى الطبقية؛ فهي لن تخرج من جلدها ولا من كونها أدواتٍ بيد الأجنبي. ولا بديلَ عن النضال واستمرار النضال حتى تتحرّر أوطانُنا.
ومن يراقب المشهد — وكيف تنامى التطبيعُ وحجمُ الدعم العربيّ العلنيّ والسريّ للكيان الصهيونيّ — سيُصاب بالذهول، وسيُدرك حجمَ الفجوة بينها وبين شعوبها، وسيتيقّن من عدم مشروعيّة هذه الأنظمة.