لأول مرة لم أحضر إحتفالية ذكرى إنطلاقة الحزب.. ولكني كنت بينكم!!

يوم الجمعة؛ إحتفل حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني، بذكرى إنطلاقته الخامسة والثلاثين بحضور دافئ وحاشد من الرفيقات والرفاق والأصدقاء والحلفاء وجماهير الحزب الأوفياء، كنت أود أن أكون هناك، وأحيي الجميع وأبارك هذه المسيرة المجيدة، ولكن منعتني حالة صحية دخيلة عن الحضور لأول مرة منذ تأسيس الحزب.
كان بودي أن أقول لرفاقي وأصدقائي من شيوخ وشباب وأجيال فتية، يعطيكم العافية، لقد أسهمتم جميعا برفعة هذا الحزب وتطوير بنيته وتصليب مواقفة وبرامجه، وكان يسعدني أن أعبر عن إمتناني لكل من شاركنا هذه المناسبة.. لأن وجودكم معنا في هذا الجو الرفاقي يقوي من عزيمتنا ويدفعنا إلى مزيد من الإنجاز والعطاء، وقد إعتدنا أن نهتف معا للحرية والديمقراطية والتحرر والوحدة وضد التبعية، نهتف للأردن ولفلسطين ونمجد الشهداء ونحيي الأسرى، ونتعاهد بأن نعمل معا للتصدي للمشروع الإمبريالي الصهيوني، وأنعتاق الوطن العربي.. إعتدنا في هذه المناسبة أن نحيي ذكرى من إرتقوا على طريق النضال من رفاقنا وأصدقائنا الأعزاء، وذكرى كل المناضلين على طريق الحرية والتقدم والمقاومة.
لم يكن حزبنا وليد اللحظة ولا وليد الصدفة، بل جاء من رحم المعاناة، وسليل مدرسة نضالية أصيلة مارست أشكال النضال الطبقي والوطني التحرري، فكان وفياً للأردن وفياً لفلسطين،
ولكل الناس.. إمتشق حضوره من بينهم، وعمل معهم ومن أجلهم، لم يتراجع، ولم يستكين، ولم يغادر مواقعه يوما إلا لكي يتقدم.
منذ التأسيس أدركنا أهمية الترابط بين الطبقة والحزب وصيرورة حركة التاريخ؛ وكنا حزبا وحدويا، جامعا، بعيدا عن تهويمات الصراعات الإقليمية والطائفية والإنتهازية، وإنخرطنا في خضم الصراع الطبقي الديمقراطي، والتحرري الوطني، والقومي الوحدوي، والتضامني الأممي، هكذا تبلورت رؤية الحزب، وهكذا تمت صياغة برنامجة بربط جدلي بين هويته ومهامه وبرنامجه، فأصبحت مهمة الحزب إدارة الصراع الطبقي، والتنوير والتثقيف الطبقي فأصبح المناضل الميداني والمثقف الثوري شرطا اساسيا للإرتقاء بالحزب والطبقة معا، فكان الحزب إلى جانب حلفائه وأنصاره في الصفوف الأولى في كل ساحات النضال من أجل الدفاع عن الحريات وقوت المواطن وحقوقه الأساسية في التعليم والصحة والتنظيم النقابي والسياسي.
منذ التأسيس أدرك الحزب بأن التنظيم الحزبي هو شكل التوسط بين النظرية والممارسة، بين الأداء والهدف الذي ننوي الوصول إليه، وأن أي دور سلبي يلعبه غياب أو إختلال التنظيم الحزبي فيما يتعلق بالنضال من اجل تحقيق الأهداف الوطنية والديمقراطية على طريق التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية والاشتراكية، سيبعد الحزب عن أهدافه وغاياته..
كما أدرك الحزب مبكرا بأن المسألة التنظيمية هي مسألة أساسية من مسائل العمل الوطني، علاوة بأنها تأخذ في بلدان العالم الثالث وبلدان الوطن العربي أهمية خاصة، فالحزب أو الجسد التنظيمي يمثل العامل الذاتي في التطور، في حين تشكل علاقات الإنتاج، والأوضاع الاجتماعية _ الاقتصادية والسياسية ما يمكن تسميته بالعامل الموضوعي، والحال فإن أهمية العامل الذاتي في بلادنا كما في بلدان العالم الثالث المتخلف أو ضعيف التطور اقتصادياً، تفوق أضعافاً مضاعفة أهميته في بلدان الرأسمالية المتطورة اقتصادياً.
ففي بلادنا، ما زالت الطبقة العاملة ضعيفة، غير متكاملة النمو، ولا تؤهلها شروطها الاقتصادية_ الاجتماعية الموضوعية لأن تفرز عضوياً حزبها السياسي الطليعي، كما أن مسار التطور الممكن في حالتنا، هو مسار الانتقال من حالة خليط من (النظام شبه الإقطاعي، شبه القبلي والعشائري، الكمبرادوري التابع) إلى أشكال بدائية ووسطية من الرأسمالية الرثة، وهذا على وجه التحديد ما يصعب المهمة، وهذا ما يعطي العامل الذاتي، -أحزاب التغيير في بلداننا- أهمية فائقة، فالمطلوب من حزب التغيير في هذه البلدان (حتى لا نقول الحزب الثوري) أن يخلق الوحدة بداخله، ويحسن صياغة تحالفاته، حتى يتمكن من إنجاز وحدة العمال والفلاحين الفقراء والكادحين والبرجوازية الصغيرة، وان يجسد دورهم القيادي معاً بالرغم من هشاشة الوعي الطبقي. ليس المطلوب من الحزب في هذه المرحلة نقل البلد إلى الإشتراكية، فمثل هذه الشروط غير متوفرة حاليا لا في بنية الحزب، ولا في بنية الاقتصاد أو المجتمع.. بل على الحزب أن يساهم في خلق هذه الشروط..
هنا تصبح مهمة تطوير العامل الذاتي ذات أهمية فائقة واستثنائية بالنسبة إلينا في الأردن وفي كل اقطار وطننا العربي الذي لا يواجه مشكلة التخلف والتبعية فحسب بل يواجه أيضا تحديات تحرره الوطني والديمقراطي ومشكلة وحدته القومية.
في هذا الجانب، فأن التفعيل الحقيقي للحالة الحزبية، لا تحددها قناعات الحزب الفكرية أو أيديولوجيته فقط، فلكي تتمتع الأفكار بقوة تحويليه، من الضروري أن يكون التنظيم مالكا وحدته وقوته الداخلية، لدعم قوة الأفكار بقوة التنظيم، وبقوة ووضوح الموقف السياسي، والقضايا المطلبية الديمقراطية. هكذا تكون وحدة الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية، هي وحدة مشروطة بمستوى كفاءة الهيئات والأفراد والبنى والممارسة الديمقراطية الفعالة داخل الحزب. وهنا علينا أن نتذكر دائماً أن الحزب القوي هو الذي يخلق الإطار الجماهيري وليس العكس.
نحتفل هذا العام ونحن جميعا نواجه لحظة تاريخية خطيرة من الصراع، حيث المشروع الصهيوني التوسعي، وبتواطؤ من الأنظمة الرجعية التابعة، وبإنحياز كامل من الإدارة الأمريكية يعمل على فرض هيمنته على كل المنطقة، ويرتكب أفظع جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب ضد غزة وفلسطين، ويواصل نهجه العدواني ويخوض حربا شاملة ضد الفلسطينين وكل شعوب المنطقة، ويضع دولها كلها تحت خطر التدمير والتفتيت والهيمنه.
في احتفالية الذكرى 35 لتأسيس حزب الوحدة الشعبية، أتقدم من كل رفيقاتي ورفاقي في الحزب، وفي الحركة الوطنية الأردنية بأجمل التهاني، وتجديد العهد للإستمرار في النضال الوطني الديمقراطي إلى جانب شعبنا في كل ميادينه ومواقعه لتحقيق كامل مطالبه وأهدافه.
عاش الأردن حرا عربيا عزيزا.
النصر للمقاومة، وللشعوب المناضلة.
المجد والخلود للشهداء الأبرار.