في مفهومِ القانونِ،

إذا كان القانونُ مجرّدَ قواعدَ عامّةٍ مُلزِمةٍ تنظِّم سلوكَ الناسِ وتُبيِّنُ الحقوقَ والواجباتِ، فالقانونُ ليس مُحايدًا، بل مُنحازٌ للقُوى الطبقيّةِ الحاكمةِ.
ويمكنُنا الاستدلالُ على ذلك من خلالِ تتبُّعِ محطّاتِ التاريخِ وما أفرزَتْهُ من قوانينَ.
في العصرِ البدائيِّ لم تكن هناك قوانينُ مكتوبةٌ، بل كانت مجرّدَ قواعدَ تنطلقُ من الأعرافِ والأديانِ والأخلاقِ.
لكن بعد الثورةِ الزراعيّةِ وتبلورِ المجتمعاتِ الطبقيّةِ تطوّرت المجتمعاتُ، وظهرت أوّلُ الشرائعِ المكتوبةِ مع حمورابي عامَ ١٧٥٠ ق.م.
هذهِ المحطّةُ الأولى لتطبيقِ القانونِ أوجدت تمييزًا بين فئاتِ المجتمعِ، حيث قُسِّم المجتمعُ إلى ثلاثِ فئاتٍ: السادةِ، ومتوسِّطي المكانةِ، والعبيدِ، وكانت الأحكامُ تختلفُ حسب الطبقةِ التي ينتمي إليها المُتَّهَمُ أو المُجني عليهِ.
إنْ دلّ ذلك على شيءٍ فإنّه يدلّ على غيابِ العدالةِ، أو في أحسنِ تقديرٍ يدلّ على أنّ قيمةَ الإنسانِ ليست في ذاتِه، بل في طبقتِه.
ولو تجاوزنا الأزمنةَ والمسافاتِ من عصرِ حمورابي إلى أميركا ودستورِها الذي تفتخرُ به، نجدُ تمييزًا ضدّ العبيدِ وحرمانَهم من أيّةِ حقوقٍ، وحرمانَ السودِ من التصويتِ، وحتى المرأةِ لم يكن لها حقُّ التصويتِ حتى عام ١٩٢٠.
والدستورُ الأميركيُّ لا يضمنُ حقَّ التعليمِ الجيّدِ ولا الرعايةَ الصحيّةَ ولا السكنَ.
معنى ذلك أنّ المسألةَ ليست مجرّدَ نصوصٍ قانونيّةٍ—على الرغمِ من أهميّتها—فالمسألةُ ليست في تطبيقِ القانونِ، بل في التَّعسُّفِ باستخدامِ القانونِ.
والمسألةُ الأخرى أنّه شتّانَ بين استخدامِ القانونِ لتحقيقِ النظامِ والعدالةِ، وبين استخدامِه لقهرِ الشعوبِ.
يا سادةُ يا كرامُ، هؤلاءِ الشبابُ هم أبناءُ هذا الوطنِ، والحكمُ على اثنينَ من الشبابِ بالسَّجنِ مُدّةَ عامٍ لمجرّدِ الهُتافِ مسألةٌ—بقدرِ ما هي مرفوضةٌ—فإنّها تدعو إلى التساؤلِ والتفكيرِ العميقِ حولَ الغايةِ التي يريدُها صُنّاعُ القرارِ.
لا أعتقدُ أنّ مثلَ هذهِ الأحكامِ تُراعي ظُروفَهم وأعمارَهم وطبيعةَ الأجواءِ التي حَكَمَتِ الهتافاتِ، بقدرِ ما تُريدُ كسرَ شوكةِ هؤلاءِ الشبابِ ودفعَهم للخضوعِ.
فالقانونُ—مهما كان—لا يمكنُ التعاملُ معه بحرفيّتِه بل بروحِ القانونِ وما تَتَوَخّاهُ السُّلطةُ من تطبيقِه، فكيفَ إذا كان القانونُ نفسُهُ مُختلَفًا عليهِ ويحظى بالرَّفضِ الشعبيِّ شبهِ الكاملِ (قانونِ الجرائمِ الإلكترونيّةِ).
كانت البشريّةُ تسعى من أجلِ العدالةِ واحترامِ إنسانيّةِ أعضائها، وحريٌّ بنا في الأردنِّ احترامُ إنسانيّةِ مواطنِنا، وإلا فإنّنا في واقعِ الحالِ نندفعُ في دَربٍ لا يعلَمُ إلّا اللهُ نتائجَه.
ونحن بانتظارِ الاستئنافِ، وللحديثِ بقيّةٌ.