لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
أخبار محلية

في لقاء شامل مع نداء الوطن، ذياب: سر استمرارية الحزب، أنه الأكثر جذرية والتصاقاً بالجماهير

في الذكرى الـ 25 لانطلاقة حزب الوحدة الشعبية الديمقراطي الأردني كان لنداء الوطن هذا اللقاء الشامل والمطول مع الأمين العام للحزب الدكتور سعيد ذياب.

ذكرى انطلاق الحزب أم ذكرى “تأسيس”؟!

 

نداء الوطن: نحتفل هذه الأيام باليوبيل الفضي لحزب الوحدة الشعبية، ما هو المصطلح الأنسب لتسمية هذه الذكرى: انطلاقة الحزب أم ذكرى تأسيس الحزب أم ذكرى العمل العلني؟ 

د. سعيد: أنا أفضل تسمية انطلاقة الحزب، وذلك لطبيعة المرحلة التي انطلق فيها الحزب وهي مرحلة الانفراج الديمقراطي الذي حدث في الأردن.

أقول انطلاق الحزب، كون الحزب ليس مقطوع الحضور، هو انطلق بهذا المسمى وبهذه الهيكلية. في نظامنا الداخلي تم تثبيت أن “الحزب هو امتداد كفاحي لمنظمة الجبهة الشعبية في الأردن”، بمعنى أننا نستمر في الأردن، بالشكل والمضمون والأهداف النضالية التي كرّستها منظمة الجبهة الشعبية في الأردن، وأي تطور في مضمون وأشكال وأساليب العمل مرتبط كذلك بالتغيّر الذي حصل في الحياة السياسية في البلاد.

فترة التسعينيات والاضطرابات في الأحزاب اليسارية والقومية

نداء الوطن: تم ترخيص الحزب بعد أكثر من (33) عاماً من الأحكام العرفية، ترافقت مع سلسلة من الاعتقالات لناشطي الحزب منذ حركة القوميين العرب ومنظمة الجبهة الشعبية وغيرها. الانتقال من العمل السري إلى العمل العلني للأسف تزامن مع فترة تراجع وانهيار للاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية وبدل من أن يكون العمل العلني فرصة لتعزيز هذه الأحزاب ومكانتها على الخارطة السياسية، شهدنا تراجعاً كبيراً لها خصوصاً فترة منتصف التسعينات وهي المرحلة الأكثر اضطراباً للأحزاب وتم استنزاف كبير لعضويتها ومن ضمنها حزبنا. وتزامن مع آلة إعلامية ضخمة عملت على تشويه صورة العمل الحزبي، وعملت بالتوازي مع ترخيص الأحزاب.

في ظل كل هذه الأجواء، كيف استطاع الحزب أن يستند إلى تاريخه وإرثه ليبني مستقبله؟ وأن يعود كحزب قوي وفاعل وله حضور؟

د. سعيد: في البداية، يجب أن لا نقرأ الانطلاقة بأنها حدث مجرد، أو بعيد عن الواقع، بتصوري أن الانطلاق والإعلان ارتبط بوعي مجموعة كبيرة من كوادر الحزب الذين كانوا أعضاء في منظمة الجبهة وهذا الوعي للواقع الأردني الديموغرافي والاقتصادي والسياسي، تجلّى في طبيعة الشعار والأهداف التي وضعت للحزب.

وانطلاقاً من وعينا في الحزب لطبيعة المرحلة التي يمر فيها الأردن، وهي مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، فتم الربط بشكل واضح بين شعار الأردن الوطني الديمقراطي وشعار تحرير فلسطين، مدركين من أن الربط بين هاتين المهمتين هي وحدها التي يمكن أن تعزز وتخلق وحدة وطنية حقيقية في المجتمع الأردني، هذا طبعاً نتاج قراءتنا وفهمنا لاهتمام الناس وماذا تريد؟

كما أن قناعتنا أن بناء الأردن الوطني الديمقراطي والنجاح في هذه المهمة، من الصعب أن تنجح في تحقيقها إذا لم تتوفر كل العناصر التي تعزز من قدرات الأردن في مواجهة العدو الصهيوني، من ناحية، والانخراط في مواجهة هذا العدو من ناحية أخرى.

هاتان المسألتان، تتشابكان مع بعضهما البعض مع المهمة الداخلية الوطنية الديمقراطية ومهمة البناء الوطني الديمقراطي.

الآن، وللمصادفة الغريبة، دخلنا في المرحلة العلنية وحالة انفضاض كبيرة من العضوية في العديد من الأحزاب بما فيها حزبنا.

لا أعتقد أن عملية الانفضاض جاءت نتاج المرحلة العلنية بحد ذاتها، بقدر أن الانفضاض ترافق مع تحولين كبيرين: انهيار الاتحاد السوفييتي، نحن لا نتحدث عن انهيار مجرد دولة، وإنما انهيار منظومة فكرية، وهذه المنظومة الفكرية بالنسبة لبعض الرفاق، الذين اعتقدوا أن انهيار المنظومة يعني أن الأهداف الأيديولوجية التي ناضلوا من أجلها لم تعد ممكنة التحقق، وبدليل أن هذه المنظومة إنهارت، هذا الخلل في القراءة النظرية لما جرى في الاتحاد السوفييتي دفع بالعديد من الكوادر اليسارية لمغادرة أحزابها، هذا من ناحية.

من ناحية ثانية، على المستوى القومي أيضاً، انهيار المنظومة الفكرية للدول التي تبنّت الفكر القومي، هذا الانهيار وضعف الدول وعجزها عن تقديم المشروع أو إنجاحه، كان عاملاً آخراً في انفضاض عضوية الكوادر الحزبية.

هذا كله أتى مع دخول العالم مرحلة اسمها مرحلة العولمة، مرحلة العولمة عدا عن أنها منظومة اقتصادية وسياسية، هي أيضاً فكرية، تجلّت بتكريس الفردية، والدفاع عن الفرد واهتمامات الفرد، بعيداً عن الجماعة، وبالتالي فالحزبية والعمل الحزبي تعرض إلى هجمة وضربة كبيرة على المستوى العالمي. ويمكن هذه العوامل الثلاث ترافقت كلها لنفسر عملية الانفضاض.

نداء الوطن: هل يمكن أن نضيف عاملاً رابعاً يتعلق بالحزب نفسه والذي تحدثت فيه في البداية، التحول من منظمة الجبهة الشعبية إلى حزب الوحدة الشعبية، هذا التحول لم يفهم جزء كبير من الرفاق طبيعته وأسبابه والأرضية التي تم البناء عليها؟

د. سعيد: من دون شك، لا نستطيع أن نغفل العامل الذاتي وهو أن جزءً من الرفاق لم يستوعبوا ضرورات المرحلة التي كانت تتطلب هذه العملية، وبالتالي كان هناك انشداد عاطفي لإطار التنظيم بشكله السابق، لذلك أقول هذا الانشداد العاطفي، ترك تأثيره على مستوى الحزب بالنسبة للعديد من الرفاق الذين غادروا الإطار التنظيمي.

المصداقية والتمسك بالمبادئ روافع النهوض بالحزب

نداء الوطن: في ظل هذه الأجواء، وإضافة إلى الصعوبات المالية، كيف استطاع الحزب أن ينهض؟

د. سعيد: في الحقيقة كانت ظروفنا صعبة كما العديد من الأحزاب اليسارية، يوجد صعوبات مالية، ولكن بتصوري القدرة على تجسيد الأفكار وترجمتها العملية، تقديم النموذج، ساهمت في بث حالة من الحراك داخل الحزب، كانت هذه ضرورية.

كما أن الحزب حاول في تلك الفترة أن يوائم كثيراً ما بين الشعار وبين العمل. واستطاع الحزب تقديم نموذجاً مميزاً في العضوية التي بقيت وآثرت الاستمرار من خلال سعيها لكي تلعب دوراً حقيقياً كحزب يساري قومي، هذه الصورة التي حاول الحزب أن يجسدها ويسعى من خلالها للاستمرار، مكّنته من تحقيق أولى خطواته وهي ضبط أوضاعه، والانطلاق لاحقاً إلى التوسع والامتداد وازدياد النفوذ والفعل الجماهيري.

عامل لا يقل أهمية ساهم في نهوض الحزب وهو المرونة والانفتاح الذي تعاملت به قيادة الحزب مع العديد من الرفاق الذين غادرونا، حيث شكلنا الأطر التي تمكّنهم من البقاء في دائرة الحزب وخلق علاقة إيجابية معهم.

أخيراً، رسم الحزب برنامج واضح ومحدد للفعل في كل أماكن انتشاره، حدد النقابات العمالية والمهنية، الأطر الشبابية وأطر المرأة وبدأ بشكل مثابر ومتراكم ينتقل من موقع إلى موقع آخر دون أن نهمل أننا مارسنا ديمقراطية إيجابية داخل الحزب.

نقطة أخيرة يجب تثبيتها بالنسبة للحزب، فهو على امتداد تاريخه لم يكن إلا الحزب الأكثر جذرية، والأكثر تعبيراً عن مصالح الناس، وهذا أكسب الحزب درجة عالية من المصداقية والاحترام لدى الفعاليات الوطنية، بل لدى مكونات المجتمع بشكل عام.

نداء الوطن: ألا ترى أن هذه المبدئية كان لها ثمنها الذي دفعه الحزب.. محاربة رسمية للحزب وحجب للحزب عن الإعلام واللقاءات الرسمية… إلخ، كيف ينظر الحزب لهذه المعادلة ؟

د. سعيد: بصراحة، نحن نرفض أن نغادر موقفنا وموقعنا المعبّر عن مصالح الجماهير الأردنية الفقيرة والمتطلعة للتقدم والتحرر. ولا يمكن أن نكون جزءاً من الصورة الرسمية التي تعبر عن قوى الشد العكسي الأكثر عداءً للديمقراطية والأكثر عداءً لقوى التغيير وقوى اليسار، وبالتالي أنا معني بأن أحدد وبوضوح وبمصداقية وبدرجة عالية من الصراحة للجماهير عن تطلعاتي وأهدافي في عملية التغيير.

في ظل ما يمكن أن نسميه الإعلام البرجوازي الذي يركز على المظهر، يمكن أن نقول أننا قد نخسر جزءاً من هذه الصورة، ولكن في سياق العمل النضالي التراكمي والمثابر، لا أعتقد أننا نخسر، بل أننا نكسب مصداقيتنا مع جماهيرنا، وهذا هو الأهم، وقطعاً هذه المصداقية والجانب الكفاحي الصلب الذي يتكرس لدى العضوية الحزبية هو الذي سيعطي ثماره مستقبلاً كمناضلين يتحلون بمصداقية ومناضلين صلبين قادرين على الدفاع بصلابة وجرأة عن قضايا الجماهير الأردنية.

نداء الوطن: فيما يتعلق بمقاطعة الانتخابات، ألا ترى أنها تحرمك من التواصل مع الجماهير التي تدافع عنها من خلال المقاطعة. فالانتخابات هي الفرصة الذهبية لتجوب كل محافظات المملكة قرى ومخيمات… إلخ، للتواصل مع الناس لتطرح برنامجك حتى لو لم تنجح وخصوصاً بأن المقاطعة لم يكن -في الغالب- يصاحبها حراك جماهيري متواصل على الأرض لإيصال الهدف من المقاطعة، وذلك نتيجة للمضايقات الأمنية المصاحبة لحراك المقاطعة؟

د. سعيد: قضية المقاطعة أو المشاركة في الانتخابات أحد أشكال التواصل مع الجماهير. نحن شاركنا حينما وجدنا ذلك مفيداً، ليس مفيداً للحزب فقط، بل مفيد لرؤيتنا ويكشف الدور غير الديمقراطي لمكونات الحلف الطبقي.

لكن أيضاً عندما كنا نأخذ قرار المقاطعة، لم نكن نجلس في بيوتنا، نحن كنا نمارس حسب إمكانياتنا في شرح أسباب المقاطعة.

مقاطعة انتخابات الصوت الواحد أثبتت صوابيتها، وذلك عندما تقدمت الحكومة بمشروع قانون يلغي الصوت الواحد بعد 22 عاماً، يؤكد بأن القانون السابق كان فاسداً وسيئاً وأن مطالب الجماهير بما فيها حزبنا كانت صائبة لجهة رفض هذا القانون والمطالبة بقانون جديد.

لم تكن هنالك نزاهة في الانتخابات ولا شفافية، يوجد تدخل أمني واضح ومكشوف، وكانت الأجهزة الأمنية تتحكم بنتائج الانتخابات بشكل شبه مكشوف وجاءت دورات انتخابية لتفضح نفسها بنفسها حيث كانت انتخابات 2007 الأكثر فضائحية في نتائجها، هنا بتصوري مبررات القرار بالمقاطعة لم تكن عرضية بقدر ما كانت لها جذورها في الواقع.

واقع الحركة الوطنية والشرخ والانقسامات في داخلها

نداء الوطن: تشهد الحركة الوطنية انقسامات وشروخات من داخلها. هذه الانقسامات أدت إلى أن تصبح لجنة التنسيق الحزبية جثة هامدة .. ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية أيضاً بدأ يشهد تراجعاً في دوره حتى أصبح العمل فيه ضمن حدّه الأدنى من القواسم المشتركة والتي أصبحت محصورة في خيارات محدودة، أيضاً لم نعد نسمع بالملتقى الوطني للنقابات والأحزاب والشخصيات الوطنية، النقابات المهنية انحسر دورها الوطني، الحراك تشرذم وأصبح من الماضي إلى حد كبير. هنالك تناقض كبير في المواقف من القضايا القومية. في ظل هذا الواقع الذي نعيشه، أين تقف الحركة الوطنية الأردنية الآن؟

د. سعيد: بدون أدنى شك بأن السنوات الأخيرة شهدت تحولات عميقة ليس فقط في الأردن بل في عموم الوطن العربي الذي شهد تحولات كبيرة وهائلة على المستوى القطري والمستوى القومي.

لكن إذا أردنا أن نركز حديثنا على المستوى الأردني، فالحركة الوطنية الأردنية واجهت أول انقسام وهو موقفها مما يجري في الوطن العربي.

نداء الوطن: ولكن، في البداية كانت الرؤية موحدة وخاصة فيما يتعلق بمصر وتونس…

د. سعيد: نعم، ولكن لم تمر بضعة أشهر إلا وبدأت الرؤية تختلف منذ تلك اللحظة، بمعنى أن هناك قوى رأت في ذلك بداية لتغيير وتناغمت وتجاوبت مع هذا التغيير، والقوى القومية واليسارية والعديد من الفعاليات الوطنية رأت فيه ترجمة عملية لمشروع أمريكي صهيوني يريد تفتيت المنطقة العربية ويريد توظيف كل ما هو موجود في وطننا من مذاهب وطوائف وإلى آخر ذلك، للنفخ فيها من أجل خلق كيانات جديدة أو ما يمكن ان نسميه سايكس بيكو 2.

وقد ترافق هذا مع هبوط في السقف السياسي والكفاحي لمعظم الأحزاب القومية واليسارية، هذه المسألة علينا أن نعترف فيها، هذا الهبوط حرم هذه الأحزاب من القدرة على أن تقوم بدورها في قيادة الشارع الأردني، أو بالحد الأدنى الالتقاء مع مطالب الشارع الأردني بالإصلاح على المستوى الدستوري والتشريعي والاقتصادي.

نداء الوطن: هل نفهم من ذلك أن سقف الشارع كان أعلى من سقف هذه الأحزاب أثناء الحراك؟!

د. سعيد: نعم، وهي لم تعجز فقط عن قيادة الجماهير، بل عجزت حتى عن أن تتواءم مع حركة الجماهير ومطالبها.

أعود للإجابة على السؤال السابق، المسألة الثانية التي أدت لتراجع الحركة الوطنية أنه جرى تحول مهم في الأردن. فكل القوى المعادية للإصلاح والتغيير والمطالبة بأن يأخذ الأردن كل عناصر سيادته الوطنية والديمقراطية تكاتفت من أجل التغلغل في مؤسسات المجتمع المدني والتأثير عليها، هذا تجلى بشكل واضح في النقابات المهنية، حيث شهدنا تغلغلاً كبيراً جداً هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، نجح هذا التغلغل في حرف وبالتالي إبعاد النقابات عن الدور الذي كانت تمارسه سابقاً، دورها الوطني ودورها القومي.

وأي مراقب يستطيع أن يشهد ويلحظ هذا التراجع في موقف النقابات إزاء ما تواجهه أمتنا وما يواجهه أيضاً الشعب الأردني من ردة عن عملية الإصلاح.

بالتالي، إذا ما نظرنا للمكونات الثلاث، الانقسام داخل الحركة الوطنية الأردنية، هبوط السقف السياسي، ودور الأجهزة وقوى الشد العكسي وسعيها للتغلغل والتأثير على كل كل مكونات المجتمع، نستطيع أن نفهم هذا التراجع والإخفاق الذي تعيشه الحركة الوطنية الأردنية.

لكن بلا شك أننا في وضع صعوبته تكمن في العامل الذاتي، وليس بهجمة الدولة فقط، أنا بتصوري أن هجمة الحكومة وأجهزتها على الحريات العامة وحرية التعبير ثم تمادي الحكم في القرارات الاقتصادية التي تقود حتماً إلى إفقار الناس، وتخدم قوى رأس المال على حساب الفقراء، مردّه في الأساس إلى ضعف القوى الديمقراطية والتقدمية في الجانب الآخر.

نداء الوطن: إذن ما الذي يمكن أن يعيد اللحمة للحركة الوطنية؟ هل القضية الفلسطينية أم القضايا المطلبية؟

د. سعيد: باعتقادي أن القدرة على العودة وتبوء الدور، يكون بالتقاط الرؤية السياسية الصحيحة، وأنا بتصوري أن الرؤية السياسية الصحيحة التي تضع من القضية الفلسطينية أولوية أو على الأقل على أجندة هذه الأحزاب، وربط هذه القضية مع التغييرات الداخلية، هذه مسألة هامة جداً في عملية توحيد القوى.

المسألة الثانية، أن تدرك هذه القوى الساعية للتغيير من خلال البرنامج ومن خلال المستوى الكفاحي، أن القوى الأخرى متكاتفة موحدة في مواجهة قوى التغيير، الأمر الذي يفرض على قوى التغيير التوحد من ناحية، وتحديد البرنامج بشكل واضح وثالثاً الاستعداد لتحمل التبعات النضالية من أجل تحقيق هذا البرنامج.

حكومة النسور هي حكومة الإفقار بامتياز

نداء الوطن: حكومة عبدالله النسور التي بدأت عهدها برفع أسعار المحروقات وصاحبتها هبّة تشرين والإجراءات القمعية التي صاحبت الهبّة، ثم اعتقالات الصحفيين، فقوانين أقل ما يمكن القول عنها أنها إنتكاسة على صعيد الحريات وممارسات الاعتقال للناشطين والقيادات الحزبية، ومشروع برنامج التصحيح الاقتصادي الذي صاحبه رفع للخدمات التي تقدمها الدولة من كهرباء ومياه، كيف ينظر حزب الوحدة إلى هذه الحكومة؟

د. سعيد: بتصوري أن هذه الحكومة من أكثر الحكومات وضوحاً في المهمات التي قامت بها هذه الحكومة وكأنها جاءت لتقول للناس، أنا جئت لحمل راية الردّة عن الإصلاح.

وهذا جسدته بالعديد من الممارسات، هناك تراجع في الحريات العامة، تراجع في مستوى حرية التعبير، ابتعاد الناس عن المشاركة في الحياة السياسية، هناك أزمة ثقة، وفجوة كبيرة بين الناس وبين هذه الحكومة، هذا واضح جداً وأعتقد بأننا لا تستطيع أن تقول برغم كل الحركة والمظاهر وبعض القوانين التي قدمتها أنها تريد أن تنجز إصلاحاً، واضح تماماً أنها كانت تريد أن تقوم بعملية الالتفاف على هذا المطلب بل تكرّس عكسه.

المسألة الثانية، الحكومة جاءت لتنفذ برنامج صندوق النقد الدولي الذي وقعته حكومة سلفها فايز الطراونة قبلها بشهر وهي جاءت لتكمله.

برنامج الإصلاح الاقتصادي، كلمة مضللة، يطلقون عليه مسمى “إصلاح”، لكن عند النظر إلى ترجمته على الأرض، لا ترى في هذا الإصلاح إلا مسألة أن الدولة ترفع وتلغي دعمها للسلع التي تمس حياة الناس، هذا الرفع يقود تلقائياً إلى إفقار الناس وزيادة معاناتهم، والدولة تنسحب من أي عملية تنموية بشكل متدرج.

ماذا أنجزت الحكومة بالثلاث سنوات؟! زادت نسبة الفقراء وزادت المديونية وبقي العجز على حاله رغم أنهم يدّعون بأن هذه الإجراءات من أجل تخفيف نسبة العجز وتقليص المديونية.

ستدخل الحكومة في بداية العام القادم ببرنامج إصلاح آخر مع صندوق النقد الدولي لمدة ثلاث سنوات 2016 – 2018 وفي باكورته يجري الحديث عن رفع أسعار المياه، ما يعني أننا أمام تكرار للبرنامج السابق (2012-2015) وتقود إلى ذات النتائج.

إذن في الحالة الأولى السمة هي حكومة الردة، وبالسمة الثانية نقول بأنها حكومة الإفقار، وأنا مقتنع فعلاً بأنها تستحق هذا اللقب بجدارة في هذا الموضوع.

لذلك نحن كحزب قلنا بشكل واضح مبكراً منذ أن أقدمت الحكومة في تشرين ثاني 2012 على تحرير أسعار المحروقات، قلنا أن على هذه الحكومة أن ترحل.

وهنا نستطيع أن نربط الرسائل مع بعضها البعض بقدرة الأحزاب القومية واليسارية بأن تتناغم مع مطالب الشارع، ولكن لم تستجب الأحزاب لهذا الموقف للأسف الشديد.

مشروع النهوض العربي ومحور المقاومة

نداء الوطن: ننتقل إلى الشأن العربي، المشروع القومي العربي تعرض لانتكاسة بعد هزيمة الـ67. نحن نرى الآن أن محور المقاومة بعد سقوط العراق وبعد ما يحدث في سوريا بدأ يأخذ الطابع الإسلامي، وأصبح المشروع القومي العربي تابع لهذه المقاومة (للإسلاميين).

 كيف ترى هذا المشروع القومي العربي وما هي أدوات وروافع استنهاضه؟

د. سعيد: هذا سؤال مهم جداً، نحن يجب أن نميز بين المشروع القومي أو مشروع النهوض العربي وبين محور المقاومة لأنه يوجد فرق بين الاثنين.

ليس بالضرورة أن يكون محور المقاومة هو حامل للمشروع النهضوي العربي. نظام الزعيم المصري جمال عبدالناصر حمل هذا المشروع وتكالبت كل القوى المعادية للنهوض العربي على ذلك المشروع. ولذلك فهزيمة 67 ليست هزيمة لعبدالناصر بقدر ما هي هزيمة للمشروع، فعندما تقرأ التحولات السياسية والاقتصادية التي ظهرت في مصر لاحقاً تكتشف حجم الخراب الذي لحق بالمشروع.

منذ وفاة عبدالناصر وهزيمة 67، كنا نشعر أن المشروع النهضوي العربي انحدر كثيراً وفي خضم هذا المسار، وفي ظل هجمة إمبريالية هائلة واجهتها المنطقة، تكللت بالعدوان على العراق، وبعد ذلك حصار سورية، كل هذه العناصر كانت بمثابة الضربات شبه الأخيرة للإجهاز على ما تبقى من عناصر في المشروع القومي أو على القوى القومية التي يمكن أن تكون جزءً من حوامل المشروع.

المسألة الثانية، أنه في هذه الفترة، وكما أشرنا أعلاه عن انهيار الاتحاد السوفييتي، تسلل كثيراً الخطاب الليبرالي البعيد عن الحديث عن التحرر ومواجهة الاستعمار والنهوض العربي وإلخ، هذا الخطاب الليبرالي تسلل حتى لقوى اليسار وللقوى القومية، وبالتالي، صار هناك نوع من الانحراف الفكري لبعض القوى اليسارية والقومية حيث بدأت تتحدث في خطاب ليبرالي وأهملت الجانب الآخر.

في هذه الفترة بدأ ينمو التيار الديني وكانت له مقدماته (الثورة الإيرانية) ويأخذ مكانة الصدارة، كما أخذ موقعه في المقاومة الفلسطينية.

إذن هذا المحور المقاوم يواجه المشروع الأمريكي لكنه لا يضع الأساس لبناء النهوض العربي، مثلاً عندما نتحدث عن مرتكزات المشروع النهضوي العربي، نتحدث عن التحرير، الاشتراكية، الديمقراطية، الوحدة، الأطراف الأخرى، وهي شعارات لا تتفق معها أطراف في المحور المقاوم.

قوى مشروع النهضة العربية تكاد تكون غير موجودة، لكننا نستطيع أن نقول هنالك أطر قومية، مؤتمرات، تجمعات، أحزاب قومية، بدأت تحاول استعادة هويتها ودورها وتتلمس طريقها من أجل الشروع في هذا البناء، وباعتقادي أن بعض هذه الأطر تقدم الشيء الكثير على الأقل بالجانب النظري والبحثي والتبشيري لهذا المشروع، وهذا شيء إيجابي.

الهبّة الفلسطينية والتآمر العربي والدولي عليها

نداء الوطن: ننتقل إلى الشأن الفلسطيني، ألا ترى أن الحركة الوطنية الأردنية والحراك العربي خذلا الشعب الفلسطيني؟ هل تشعر بأن هذا الشعب الذي يمارس نضالات مبدعة، لم نكن على مستوى نضالاته؟

د. سعيد: علينا أن نقرأ بشكل عقلاني، الشعب الفلسطيني تجاوز واقعه، والهبة نفسها تجاوزت واقعها، قبل فترة كانت ترتفع أصوات أين الربيع الفلسطيني، بمعنى أين الشارع في مواجهة سلطة تخدم الاحتلال _ حتى قبل مواجهة الاحتلال _ ، لذلك بتصوري الذي يجري تجاوز للواقع، وتجاوز لحالة الركود والهدوء والصمت أو المهادنة.

الوضع العربي في أصعب وأسوأ حالاته، حالة شعبية منهكة مشغولة في ذاتها وبصراعاتها، جزء منها يواجه المؤامرة، وجزء منها متورط بوعي أو بدون وعي في عملية المؤامرة. القوى الإمبريالية التي خططت لجعل وجهة القتال ليس باتجاه فلسطين، بل إلى جهات أخرى، نجحت هذه القوى الإمبريالية وخلقت ووظفت كل ما عندنا من انقسامات إلى حالة اقتتال.

هنا سوء التوقيت الزمني والظروف وسوء حظ الهبة الجماهيرية، أن الوضع العربي هكذا.

نداء الوطن: أضف إلى ذلك تآمر بعض الأنظمة العربية على انتفاضة الشعب الفلسطيني.

د. سعيد: هناك تورط رسمي عربي في التآمر على القضية الفلسطينية لجهة تصفيتها وعدم السماح لأي نهوض شعبي في فلسطين يواجه الاحتلال، وإلا كيف نفسر كل الحراك الذي جرى في المنطقة العربية باتجاه احتواء الانتفاضة.

الذي تعاني منه الحركة الشعبية في فلسطين لا يختلف كثيراً عن المعاناة التي تعيشها الحركة الشعبية في الوطن العربي.

الشباب والمركزية الديمقراطية والثورة التكنولوجية

نداء الوطن: نعود إلى الشأن الداخلي للحزب، في ظل العولمة وثورة الاتصالات والتكنولوجيا، ماذا بقي من مفهوم المركزية الديمقراطية؟ وفي ظل ما نعيشه من انفتاح على مصراعيه، هل العضو الحزبي ملزم بالتقيد في تطبيق المركزية الديمقراطية بحذافيرها؟ أم أن هناك فسحة أو هامش يعطيها الحزب للعضوية في التعبير عن رأيه، أم أنك ترى في هذا خطوة للبرلة الحزب. كيف تقرأ القدرة على التوازن بين المركزية الديمقراطية وهذا الانفتاح خصوصاً عند العضوية الشابة في الحزب؟

د. سعيد: أنا باعتقادي موضوع المركزية الديمقراطية أولاً هو مبدأ لا تزال تحتكم إليه كل الأحزاب الماركسية أو معظمها.

وباعتقادي المشكلة لا تكمن بالمبدأ نفسه، بل تكمن عند بعض الأحزاب بتغليب أحد طرفي هذه المعادلة، إما تغليب المركزية وبالتالي إضعاف دور الديمقراطية، وبالتالي يجد الشباب في هذه المرحلة، مرحلة الانفتاح والتواصل بكل يسر وسهولة، يجد نفسه مقيداً وغير قادر على التعامل مع هذا الموضوع. أو بالعكس، أن تسيطر اتجاهات ليبرالية تجعل من الديمقراطية المتكئ لها، وبالتالي تحرم وتضيّع وحدة الحزب، وحدته التنظيمية ووحدة العمل والإرادة.

نداء الوطن: هل لا تزال المركزية الديمقراطية ضرورة؟ بعيداً عن أن الأحزاب الماركسية تطبقها أم لا تطبقها؟

د. سعيد: أنا أعتقد بأن ضرورتها تكمن بأنها تجسيد لوحدة الإرادة والعمل، وبدونها لا يعود هناك حزب.

إذا فهمنا أن المركزية الديمقراطية بهذا المعنى (وحدة الإرادة والعمل) نستطيع القول أن المركزية الديمقراطية مطلوبة وضرورة حتى يستطيع الحزب الحفاظ على وحدته وثانياً على قدرته على الفعل.

نداء الوطن: وهل ترى أن هنالك استهداف للعنصر الشبابي في الأحزاب وتعرضهم لضغوطات خارجية بأن هناك سيطرة حزبية فوقية؟!

د. سعيد: نعم يوجد هناك ضغوطات، هناك مناخ عام وتحدثنا، بأن هناك أحزاب تسلل إليها الخطاب الليبرالي، الذي ألغى أو تراجع عن مهماته الوطنية والقومية الكبرى والتحرر، هذا التسلل جعل الفهم ملتوياً للعمل الحزبي.

باعتقادي أن الحملة على هذا المبدأ التنظيمي لا تختلف كلياً عن الحملة التي خيضت ضد مفهوم الصراع الطبقي، أو الطموح ببناء مجتمع اشتراكي. يجب أن نفهم أن الاستهداف لهذا المبدأ هو من أجل الإجهاز على الأحزاب وإشاعة الاتجاهات الليبرالية الفردية داخل هذه الأحزاب.

نداء الوطن: في مقابل هذا الاستهداف، ماذا فعل الحزب لمجابهة هذه الهجمة وماذا وضع من برامج لتصليب البناء الحزبي للعضوية الحزبية؟

د. سعيد: هذا الموضوع يرتكز على الوعي بالأساس، والذي هو الحصن الحصين والسلاح الأمضى الذي يمكّن العضو الحزبي من مواجهة كافة التحديات.

كيف يتم ذلك، الحزب أولاً بدأ وشرع منذ المؤتمر الخامس بإقامة الدورات التثقيفية، الندوات السياسية، التثقيف في الاجتماعات الحزبية، هذا على صعيد بناء الوعي.

المسألة الثانية، إشاعة الأجواء الديمقراطية داخل الحزب وتكون هذه الديمقراطية مبدعة وخلاّقة، لا تقود إلى الفوضى، بقدر ما تقود إلى الوحدة الواعية، عدا عن الالتزام، وأقصد بالديمقراطية المبدعة بأنك تشجع العمل الجماعي والديناميكية، هي التي تحصّن الحزب أمام أي أفكار ليبرالية. أيضاً إنشاء دائرة التثقيف الحزبي ساعدت بالتثقيف من خلال شروعها بعمل دورات وإصدار مجلة الوحدة.

هذه العناصر متكاملة مع بعضها البعض هي التي تحصّن الحزب في مواجهة الهجمة الليبرالية.

انتهت المقابلة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى