لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
مساهمات شبابية

في ذكرى استشهاد ناجي العلي

إن القيمة الفنية الملتزمة التي حملتها ريشة الكاريكاتوري الفلسطيني ناجي العلي جعلت منه منبراً وضاءاً لتعرية كل الاوجه من انتهازيتها و محاولاتها الانصراف لمصالحها الشخصية على حساب قضية شعب رفض ان يكون ذليل الإحتلال.

و بطبيعة الاوضاع التي خرج منها ناجي العلي انسبغت عليه تلك الأنفة و العزة و الإلتزام الجذري بقضايا أمته و شعبه، فهو ابن مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين بكل ما يحمله المخيم من تركيبة نفسانية ثورية و حالة نضج متقدمة و ملزمة.

و عند تتبع حياة هذا الفنان الذي بكل تأكيد دخل العالمية ممثلاً للريشة الفلسطينية و الأممية الصارخة بوجه سماسرة الاوطان و سالبيها، نتأكد بأن شخصاً يعيش حياة ناجي المليئة بالفقر و العوز، المرض و الإرهاق ،التهديدات و الخطر و المجازفة و الحذر لن يكون سهلاً عليه ان يشق طريقه، و لذلك لم يكن لذلك الطفل الصغير ملاذاً للرسم سوى أزقة المخيم و جدرانه الرطبة، فَدَبَّ بشبقٍ غير مسبوق يرسم ما يشعر به، فتارة يرسم خريطة فلسطين، و تارة اخرى يرسم اطفال المخيم المنسيين على اطراف قنوات الصرف الصحي النتنة التي تشق الطرق.

و لو تعمقنا في نفسية ناجي بعيداً عن تاريخه الذي يعرفه معظمنا، لوجدنا اسئلة مهمة تطرح ذاتها بكل شجاعة، مالذي حرض ناجي على ريشته؟ و هل كانت النتيجة تستحق هذا العناء؟ أما السؤال الأول فالإجابة عنه تعتمد على قراءة تاريخ العدوان و المخططات الاستعمارية التي تعرضت لهما فلسطين، و دراسة المشاهد التي عايشها هذا الطفل و التي بالتأكيد ولدت لديه حالة معينة و تراكمية منتفضة من المشاعر، فإن نفسية الانسان و معالمها تتأثر بشكل كبير بما تعايشه في ماضيها من حوادث و عوارض مختلفة .

و في حالة ناجي العلي ، فإن طفولته على وجه التحديد كانت قاسية جداً ، فلم يعرف ناجي يوماً معنى الامان و الاستقرار ، و انما عاش الهجرة القصرية من بلدته في فلسطين و عاش التنقلات المتعددة ابتداءاً من مخيم عين الحلوة و الى اماكن عديدة ، و من ثم عاش حياة السجن وحيداً منعزلاً مع ذاته ، متمسكاً بطبشورته يلوّن بها جدران الزنزانة بخواطره و افكاره ، و علاوةً عن كل تلك الظروف ، لم يستطع ناجي اكمال تعليمه بسبب الظروف الفقيرة التي كانت تعيشها عائلته ، فلم يكن فناننا الفذ إلا عاملاً يصلح السيارات ، و في احيان اخرى لا يجد ثمناً لسجائره ، و بمجمل الحديث فإن كل تلك الظروف تقود الانسان لخيارين ،إما الكدّْ و التعب ، و إما الإستسلام و التراخي . أما التساؤل الثاني فإن الإجابه عليه تتجلى في قراءتنا لطبيعة الانسان و ماهية علاقته مع ذاته و مع المجتمع ، و هنا تتجلى لدينا شخصية ناجي الناكرة للذات المؤمنة بالعمل من اجل المجموعة ، و هذه التركيبة المميزة نادراً ما تتشكل إلا في اوساط الفقراء و المتعبين الذين يتشاركون الفقر و يتقاسمون الظروف الصعبة ، يبكون سويّاً و يعيشون سويّاً و اذا كانت الظروف جيدة قليلاً يدفنون سويّاً ، و ناجي كان واحداً منهم ، و لم يكن إلا من اجلهم و لأجلهم ، شعبه الذي شاركه كل المآسي التي تعرض لها ، و من هنا تتجلى قيمة النتيجة لدى شخصية ناجي العلي ، فلم يكن ناجي الملتزم فريسة لتأثيرات العولمة و تعزيزها لمفهوم الفرد بعيداً عن المجموعة ، فتعاظمت النتيجة لديه و اصبحت آلهةً يسعى للوصول اليها بكل ما يحمل من حماسية و إيمان ، كيف لا ! و هي فلسطين. و في الحديث عن عمق رسومات ناجي العلي يتجلى لدينا فن الرمزية السهل الممتنع ، تماماً كما المقطوعات الموسيقية السريعة القصيرة ، كالقصة القصيرة لدى رفيقه غسان كنفاني ، فكل تلك الفنون تتشارك في زخم المعنى و كثافته على مساحة صغيرة من ورقة اللحن ، حبر القلم و دماء ريشة الفنان ، فبهذه الطريقة المميزة كان حنظلة و كانت فاطمة و ما سواهم من الشخصيات المفتعلة الحقيقية التي استعملها ناجي في تعبيراته و رسائله الصاخبة التي لا تعرف للإعتبارات طريق و لا تؤمن سوى باعتبار واحد ، و هذا الاعتبار الذي شكل الخط الاحمر الوحيد لدى ناجي ، هو الوطن .

في صدد الكلام عن فنون ناجي ، لن اتطرق لنقد رسوماته ، فلست أهلا لذلك و لا اعتقد ان مقالة كهذه يمكنها التطرق لأربعين ألف رسمة كاريكاتورية و ربما اكثر ، و لذلك فإن للنقاد الفنيين حيزهم الخاص و مآخذهم على رسومات ناجي ، و كذلك للسياسيين مواقفهم الكثيرة و المتعددة من ناجي و لوحات ناجي ، و بالنسبة لي فإن خلال كل حياة ناجي السريعة و عطائه الفني لم يحد يوماً عن فلسطينيه و شعبه فهو الذي يقول “الطريق إلى فلسطين ليست بالبعيدة ولا بالقريبة، إنها بمسافة الثورة” و اعتقد بأن ناجي اهتدى لطريق ثورته و خاضها بشجاعة لا تختلف عن الذين حملوا البندقية.

بالنهاية يتسعر السؤال و تنتفض علامات الاستفهام حول استهداف ناجي في أزقة لندن و استشهاده إثر رصاصات الغدر التي اخترقت عينه التي كان يرى بها الوطن ، و لكن لا اعتقد اننا في صدد اسقاط الإتهامات على شخوص معينة ، بالقدر الذي نعلم كما يعلم الشعب الفلسطيني و رفاق ناجي ، بأن الذي استهدف ناجي هو ذاته من استهدف غسان كنفاني و خليل الوزير و ابوعلي مصطفى و غيرهم الكثيرة من القادة و الرواد ، هو ذلك العدو الفاشي الذي يترقب الرقاب الصارخة بوجهه ليقطعها بتواطؤا من العميل و الكمبرادور العربي و الفلسطيني المتحالف مع رأس المال و الساقط في مستنقع المصالح الذاتية المتقاطعة بالتأكيد مع الوجود الإحلالي للكيان الصهيوني ، و لذلك فإن دراسة تركيبة ناجي و نهجه الراديكالي و استشفاف المآثر و الدروس من رحلته الطويلة القصيرة هي رد قليل من الجميل لمسيرة و روح ناجي العلي ، فسلامٌ و ألف قبلة الى جسده المتعب في ذكراه التاسعة و العشرين.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى