سبعة عشر عامًا على انطلاقة تجمع اتحرّك المقاطعة فعل يومي، ومجابهة التطبيع معركة ستبقى مفتوحة

تمر سبعة عشر عامًا على انطلاق تجمع اتحرّك لمجابهة التطبيع، سبعة عشر عامًا من مجابهة التطبيع بوصفه أحد أخطر أدوات المشروع الصهيوني، وامتدادًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا للاحتلال، لا مسارًا منفصلاً عنه ولا تفصيلاً ثانويًا يمكن التعايش معه.
فمنذ اللحظة الأولى التي تزامنت مع انطلاقته نهاية عام 2008، لم يتعامل اتحرّك مع التطبيع كقضية موسميّة أو كعنوان احتجاجي عابر، بل كمنظومة متكاملة تستهدف الوعي قبل أي شيء آخر، لذلك، لم يكن التجمع إطارًا احتجاجيًا ظرفيًا، بل مشروعًا نضاليًا طويل النفس، رفض وواجه كل أشكال التطبيع الاقتصاديّة، الثقافيّة، الأكاديميّة، الإعلاميّة، السياسيّة والرياضيّة، واضعًا على عاتقه مسؤولية حماية المجتمع من الاختراق، وفضح محاولات تبييض صورة الكيان الصهيوني وتلميع جرائمه.
على مستوى العمل الثقافي والفني، فقد خاض التجمع معارك واضحة ومباشرة أدّت إلى تعطيل ومنع عروض أفلام شارك فيها ممثلون صهاينة أو داعمون للكيان، أهمها الأفلام والأعمال السينمائيّة التي لعبت “بطولتها” المجندة الصهيونية غال غادوت، وإفشال فعاليّات ثقافيّة وفنيّة حاولت تمرير التطبيع تحت عناوين “الفن و”الحريّة” و”التبادل الثقافي”، كما أسهمت حملات الضغط المنظّمة في ثني عدد من الفنّانين الأردنيّين والعرب عن زيارة الكيان الصهيوني أو المشاركة في مهرجانات وفعاليّات مقامة على الأراضي الفلسطينيّة المستعمرة، محوِّلة الاعتراض من موقف هامشي إلى قضية رأي عام تُربك الجهات المنظمة وتفرض عليها كلفة سياسيّة وأخلاقيّة.
وفي الجانب الأكاديمي، واجه تجمعنا محاولات متكررة لتطبيع العلاقة مع مؤسسات وأكاديميين صهاينة عبر مؤتمرات وندوات وبرامج تعاون وتوأمة جامعيّة. وقد نجح التجمع بالتعاون مع قوى طلابيّة وأكاديميّة، في تعطيل عدد من هذه المشاريع، وكشف زيف خطاب “العلم بمعزل عن السياسة” بوصفه أحد أكثر الأقنعة استخدامًا لتبييض الاحتلال وجرائمه.
أما في المجال الاقتصادي، فقد كان التجمّع في طليعة القوى التي عملت على تحويل المقاطعة من خيار فردي أخلاقي إلى سلوك شعبي منظّم، من خلال حملات متواصلة، جرى فضح الشركات الداعمة والمتواطئة مع الكيان الصهيوني، والتسبب بسحب منتجات من الأسواق، وفرض خسائر حقيقية على علامات تجاريّة حاولت الاستفادة من السوق العربيّة بالتوازي مع دعمها للكيان وتواطئها معالإجرام، وفي هذا السياق، شكّل إعداد وإطلاق أكبر دليل مقاطعة على مستوى حركات المقاطعة في العالم، والذي يضم أكثر من 700 علامة تجاريّة، محطة مفصليّة، إذ تحوّل الدليل إلى أداة عمليّة يوميّة بيد المستهلك والناشط، لا مجرد قائمة أسماء.
إلى جانب ذلك، خاض اتحرّك معركة الوعي في الإعلام والفضاء العام، باعتبارها المعركة الأخطر والأطول. فالتطبيع لا يُفرض بالقوة فقط، بل يُمرّر عبر التكرار، والتعويد، وتقديمه كأمر طبيعي أو “أقل الضررين”، ومن هنا، حضر التجمع باستمرار في الحملات الإعلاميّة التوعويّة، والفعاليات الشعبيّة، والبيانات والمواقف المبدئيّة، والضغط الشعبي والنقابي، وفضح كل أشكال الاختراق الصهيوني في الإعلام والرياضة والثقافة بشتى أشكالها.
وعلى مستوى العلاقات والتنسيق، لم يكن عمل تجمع اتحرّك محليًا معزولاً، بل جاء ضمن سياق عربي ودولي أوسع، من خلال بناء علاقات تعاون مع عدد من حركات المقاطعة العربيّة، فضلاً عن التتسيق والتعامل مع نداءات حركة المقاطعة الدوليّةالمعروفة بال بي دي اس. هذا التنسيق أسهم في تبادل الخبرات وتوحيد الجهود وتعزيز العمل التراكمي في مواجهة موجة تطبيع تتسع وتزداد.
بعد سبعة عشر عامًا، يمكن القول إن ما تحقق مهم، لكنه غير كافٍ، فالتطبيع اليوم أكثر وقاحة، وأكثر حضورًا في الاقتصاد والإعلام والرياضة والثقافة، وأكثر غطاءً رسميًا، بل وأصبح مفروضًا علينا. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة تتطلب تصعيد العمل الشعبي، وتوسيع دائرة العمل المناهض للتطبيع وتعميق ثقافة المقاطعة بوصفها خيارًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يقبل المساومة.
المقاطعة ليست شعارًا، ومجابهة التطبيع ليست ترفًا سياسيًا؛ كلاهما فعل يومي طويل النفس وتراكمي. وبعد سبعة عشر عامًا على انطلاقة التجمع، يؤكد اتحرّك شعاره عمليًا:
مستمرون في مقاطعة داعمي الكيان الصهيوني،
مستمرون في مجابهة التطبيع بكل أشكاله،
ومستمرون في مواجهة المشروع الصهيوني.
محمد العبسي
منسق تجمع اتحرّك لمجابهة التطبيع