حكاية الجبهة الشعبية

في الذكرى الثامنة والخمسين لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، تبادر إلى ذهني سؤال: هل للجبهة الشعبية حكاية؟ كان جوابي لذاتي: نعم، فالحكاية ليست مجرد رواية أحداث، بل هي طريقة لِرُؤية الواقع، وهي محاولة لإعطاء الأحداث معنًى وتركِ بصمة. الحكاية تشكيلٌ للوعي، وهل هناك حكاية أوضح من حكاية الجبهة التي تركت بصمتها عبر الزمن؟
حكاية الجبهة لم تبدأ في 11 كانون الأول عام 1967، فهي ليست مجرد فصيل فلسطيني مقاوِم فحسب، بل هي تيار وتراث نضالي كانت بدايتُه في خمسينيات القرن الماضي، عبر “حركة القوميين العرب”. هذه الحركة التي امتد حضورُها على اتساع الجغرافيا العربية، الأمر الذي وفَّر لها هذا الامتداد الجغرافي وحاضنة شعبية عربية واسعة، وإطارًا واسعًا من القوى الثورية العالمية.
إن حركة القوميين العرب، وما كانت تعيشه من حوارات وإرهاصات لتطوير أشكال النضال، شَكَّلَت الرَّحِمَ الذي وُلِدَت منه الجبهة، التي عاشت بدورها بعد الولادة تحولًا فكريًّا وسياسيًّا لا يقل عما عاشته الحركة، حول مُنطلقاتها وحول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية.
ومما يلفت النظر في حكاية الجبهة أن النكبة الفلسطينية عام 48 وقيام الكيان الصهيوني وتشريد الفلسطينيين في كافة أرجاء الأرض، وهزيمة 67 واحتلال إسرائيل لسيناء والجولان وبقية التراب الوطني الفلسطيني، تركا بصمة قوية في نشأة الحركة والجبهة الشعبية لاحقًا.
هذا الترابط بين النَّشأة وهزيمة الأنظمة العربية وعجزها عن المواجهة، هو الذي أفسح المجال لصعود تيارات يسارية لتتصدَّر المرحلة والاستعداد لِتحمُّل تبعات تلك المرحلة. وَفَّر الالتزام بالفكر الماركسي الأساس الأعمق لفهم طبيعة وجوهر المشروع الصهيوني من جهة، وفهمًا عميقًا لدلالة المقاومة للاحتلال بأنها ليست مجرد رد فعل عسكري فحسب، بل هي منظومة متكاملة أخلاقية وتاريخية تُبَرِّر حق الشعوب ومشروعيتها في التحرر، وحقها في تحديد أشكالها وأدواتها وحدودها.
انطلقت الجبهة في فهمها للمقاومة من مبدأ الحرية الإنسانية، وأن الإنسان وُلِدَ حرًّا ولا يحق لأي قوة أن تُصادِر حريتَه وتفرض السيادة عليه، وله الحق في الدفاع عن نفسه ورفض الإذعان للظلم.
وهنا تبرز كذلك حكايتُها من خلال تأكيدها على أن المقاومة لا تقف عند حدود التحرر الوطني، بل تستمر لاستكمال دورها بإنجاز التحرر الاجتماعي وتوفير العدالة وإنهاء كل أشكال المظلومية. لقد أدركت الجبهة مبكرًا محاولات البرجوازية وسعيها لاستخدام المقاومة كمشروع للوصول للسلطة وليس لتحرير الوطن.
فَهِمَت الجبهة عميقًا طبيعة المشروع الصهيوني كمشروع استعماري استيطاني إحلالي، ينتمي إلى نمط استعماري غربي قائم على فكرة تشكيل مجتمع جديد على حساب السكان الأصليين كما حصل في أمريكا وأستراليا.
ولعل فهمها لطبيعة المشروع الصهيوني، باعتباره جزءًا من استراتيجية القوى الغربية للسيطرة على الشرق الأوسط؛ هذا العدو الذي استخدم كل الوسائل: القتل والجرائم وتهويد الأرض والعمل والدين كعنصر تعبئة من أجل الوصول إلى سردية تاريخية مُزَيَّفة على حساب حاضر وماضي وسردية الشعب الفلسطيني. هذه الرؤية وهذا الفهم حَصَّن الجبهة من تسلل الوهم بإمكانية صنع سلام مع هذا الكيان، وهذا هو الركن الآخر لحكاية الجبهة.
هذا الفهم للمشروع الصهيوني وأهدافه التوسعية دفع الجبهة إلى تبني فكرة أن التحرير لا يقع على عاتق الشعب الفلسطيني فحسب، بل من خلال مشروع عربي تحرري، ووحدة قوى المقاومة العربية. ولعل إيلاء الجبهة الاهتمام الكبير لأهمية “محور المقاومة” ودلالته الكفاحية أكبر دليل على هذا الركن من حكاية الجبهة الشعبية.
إنها حكاية مستمرة جسَّدتها الجبهة في مشاركتها رفاق السلاح في مواجهة حرب الإبادة في غزة، وفي نضالها في الضفة الغربية، وفي مشاركتها في حرب الإسناد في لبنان وما قدَّمته من شهداء، وفي مقدمتهم الشهيد نضال عبد العال وأبو خليل وشاح والرفيق عماد.
في حكاية الجبهة وذكراها، ننحني إجلالًا للشهداء الذين شَيَّدوا الحكاية المستمرة مِِدماكًا فوق مِدماك، الحكيم وأبو علي. الجبهة، وبالرغم من التراجع في بعض أدوارها، ستبقى أمينة لمن صاغوا حكايتها منذ النشأة، ومستمرة عند الثقة التي توليها القوى التقدمية العربية لها، وستبقى أمينة لتطلعات شعبنا مهما كانت التضحيات.