الهيئات المستقلة وتحرير الاقتصاد علاقة بنيوية

في كلِّ عام، وحين تُطرح الموازنة للنقاش العام، يتكرّر السؤال الدائم والسنوي حول الهيئات المستقلة: مدى جدواها، ومدى ارتباطها ببرنامج التصحيح الاقتصادي.
يُقدَّم برنامج التصحيح على أنّه مجرّد تحريرٍ للسوق وإصلاحٍ إداري، لكنه في الجوهر يتمثّل بدمج الاقتصاد المحلي في السوق الرأسمالي بشروطٍ غير متكافئة، تتمثّل في خصخصة القطاع العام، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، وتحرير الأسعار، وتقليص دور الدولة في الرعاية الاجتماعية.
ومن أجل تمرير هذه السياسات وتجاوز مساءلة البرلمان، تقوم هذه الهيئات بلعب دور إدارة الأزمات، ونقل القرار من مجاله السياسي إلى المجال التقني غير المُراقَب شعبيًا. وبالتالي تساهم هذه الهيئات في تمرير السياسات التقشفية المترتبة على طلبات المؤسسات الدولية.
بهذه الطريقة يجري فصل الصراع عن مجاله السياسي، وتُستبدل آليات النقاش بلجان خبراء، وبذا يتحوّل النقاش من صراعٍ اجتماعي إلى مسألة فنية. أكبر مثال على ذلك أنّ هيئة الطاقة والحكومة نجحتا في تحويل تحديد أسعار المحروقات من مسألة سياسية–اقتصادية إلى مجرّد مسألة حسابية تُجرى كل شهر، دون مراعاة للتداعيات الاجتماعية للقرار.
هنا تتجلّى وظيفة الهيئات بلعب دور العازل للاقتصاد عن السياسة؛ فبدلًا من نقاش الأسعار والطاقة والمياه وغيرها في البرلمان والأحزاب والنقابات، يتم نقلها إلى هيئة خبراء ضمن الهيئات المستقلة، وبذا يتم تحويل المسائل من طابعها السياسي إلى طابعها الفني.
رغم أنّ القرار في مضمونه قرارٌ طَبَقيّ، من خلال نقل العِبْء الاقتصادي إلى الطبقات الاجتماعية، وبالتالي تبريد وتمرير التوجّهات بشكلٍ سلس.
هكذا تحوّلت الدولة من طابعها الاجتماعي إلى طابعٍ تنظيمي، وأوكلت الدور الإداري للهيئات التي نجحت في تحويل المواطن إلى مستهلك لا صاحب حق.
خلاصته، فإن العلاقة بين برنامج التصحيح والانفتاح الاقتصادي علاقة بنيوية وليست عرضية؛ أي إنّ النضال ضد الهيئات يرتبط بالنضال ضد برنامج التصحيح الاقتصادي.
إنّ تركيزي على الدور الذي تلعبه الهيئات في تسويق سياسة الانفتاح لا ينتقص من غياب العدالة في رواتب الموظفين، ولا من العِبْء المالي الذي تُشكّله على عاتق الدولة.
ولو دخلنا، ولو بشكلٍ جزئي، إلى مثال هيئة النزاهة، فهي تركّز على الفساد الفردي، وبهذه الطريقة تُبرِّئ الحكم المؤوَّل عن انتشار الفساد البنيوي، وتُجَرِّم الأشخاص.
الهيئة المستقلة للانتخابات
ينحصر دورها في معالجة شكل العملية الانتخابية والجوانب الإدارية، دون المساس بالخروقات التي تطال في العمق العملية الانتخابية.
ما يلفت النظر في الهيئة المستقلة للانتخابات هو اقتصار دورها على ضبط شروط المشاركة في العملية الانتخابية، وما تُبديه من حيادية احترافية لا يعكس عدم حيادها الطبقي.
تركّز الهيئة، من خلال قانون الأحزاب وارتباط الأحزاب التنظيمي بها، على تحويل الحزب إلى مجرّد فاعل انتخابي، فيتم اختزال الأحزاب في موسم انتخابي.
أي إنّ الأحزاب تتحوّل إلى مشارك في هذا العرس لإتمام مراسمه وفق ترتيب أولياء الأمور.
الهيئة تقوم بإدامة الحضور الحزبي لا تمكينه، وضبط عمله لا تحريره من الكوابح.
قانون الأحزاب يحرم الأحزاب من الوصول إلى السلطة، لكنه أعطاها حق المشاركة في السلطة.
يُنظِّم التعددية، لكنه يُعطِّل تحوّلها إلى بديل سياسي.
القانون يتدخّل في فرض أنماط تنظيمية تؤدّي إلى إضعاف الانضباط التنظيمي.
كلّ هذا يكشف أنّ الهدف من إعادة قانون أحزاب جديد لم يكن، في حقيقة الأمر، إعادة هيكلة المعارضة، بل التحكّم بها من خلال الهيئة المستقلة بالعمل الحزبي، وتدخّلها في أدق التفاصيل.
هنا تتبدّى لنا أنّ الصورة التي قُدِّمت لنا كإصلاح اقتصادي أو سياسي هي، في حقيقتها، تمكين لشرائح الكُمبرادور والبيروقراط، وتعميق التبعية.