لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
أخبار محلية

المحلل الاقتصادي خالد الزبيدي: معظم عوائد النمو الاقتصادي تذهب لشركات ملكيتها غير أردنية

أمريكا تدخل مرحلة الأفول، والقوة العسكرية لها تغطي على عجزها الاقتصادي

نداء الوطن-خاص

أجرى اللقاء: عبدالمجيد خندقجي – عبدالله شطارة – د. فاخر دعاس

تصوير: فراس القصص

الأستاذ خالد الزبيدي الكاتب والمحلل الاقتصادي الأردني كان ضيفنا في هذا العدد، حيث الحديث عن واقع الاقتصاد الأردني والمديونية والعجز في الموازنة والتنمية الاقتصادية.

توصيف الاقتصاد الأردني

نداء الوطن: بداية دعنا نأخذ فكرة عامة عن الاقتصاد الأردني، هذا الاقتصاد الذي يعاني منذ عام 1989، ودخوله في اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي من أزمات متتالية، كيف تشخّص حال وواقع الاقتصاد الأردني؟

خالد الزبيدي: الاقتصاد له مكوناته الإنتاجية والسلعية والخدمية وعندما يكون لدينا رواج وفائض يكون الاقتصاد يسير بشكل صحيح، وعندما يكون لديه عجز يكون هنالك مشكلة. والديْن بحد ذاته ليس مشكلة فأمريكا –على سبيل المثال- أكبر دولة مدينة في العالم ومع ذلك فهي صاحبة أكبر اقتصاد في العالم.

والاقتصاد الأردني هو اقتصاد خدمي بشكل أساسي فهو ليس إقتصاداً زراعياً أو صناعياً والمكونات الخدمية تزيد عن 60% من الناتج الإقتصادي، وهذا ليس جديداً على الإقتصاد الأردني.

وعلى الرغم من الاختلالات المزمنة في الاقتصاد الأردني لكنها لم تؤدي إلى وجود فقر “إفريقي” أو جوع أو تفشي للأمراض أو البطالة التي تؤدي إلى زيادة نسبة الجرائم بشكل كبير. علماً بأن الأردن لم يكن يعاني من البطالة لغاية عام 1989.

ومن سمات الاقتصاد الأردني أنه اقتصاد غير مركزي على الرغم من الملكية العالية للدولة سابقاً، إلا أنه بعد الخصخصة تراجعت كثيراً وتحولنا إلى اقتصاد السوق بشكل أو بآخر.

أزمة الدينار

الزبيدي: في أواخر الثمانينات أدت أزمة الدينار في الأردن إلى انخفاض الدينار الأردني بنسبة 50%. بعد أزمة الدينار صرنا نلحظ تراجعاً في قدرة المواطن على تلبية احتياجاته. ما أدى لدخول الأردن في اتفاقيات وبرامج للتصحيح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي.

وابتدأ تنفيذ اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي منذ الــ 89 وتوقفت بسبب حرب الخليج عام 1990 ثم استنؤنفت في عام 1991 واستمرت لمدة 14 عاماً.

 “تخرّج” الأردن من برنامج صندوق النقد الدولي في عام 2004 بأن نجح الأردن بتثبيت سعر الصرف وزيادة الاحتياطي من العملة الأجنبية، ولكن خسرنا تنموياً، حيث لم نستطع أن نحقق التنمية الاقتصادية وهي الأساس. فلم نحقق صناعات مستدامة، والزراعة تراجعت لتصبح أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي. وبعد عامين عدنا أسوأ من السابق لنعود مرة أخرى إلى صندوق النقد الدولي والبدء ببرامج وقروض جديدة.

والآن يتم التفاوض على برنامج جديدمع صندوق النقد الدولي بعد انتهاء البرنامج الحالي.

الخلل في التنمية

نداء الوطن: إذن أين تكمن مشكلة الاقتصاد الأردني؟

الزبيدي: مشكلة الاقتصاد الأردني أن من يملك القرار الاقتصادي هم مجموعة من الماليين الذين يجيدون الضرب والطرح والقسمة والجمع ولا يجيدون إطلاق التنمية.

الأردن لديه مساحة زراعية جيدة إلا أن صادراتنا الزراعية لا تتجاوز المليار دينار، وذلك نتيجة النمط الزراعي الخاطىء وغياب التقنيات الزراعية الحديثة وهدر الموارد المائية. وللأسف لا يوجد اهتمام وأولويات حكومية لتشجيع القطاع الزراعي.

لدينا مشكلة حقيقية في الصناعة بسبب كلف الإدخال العالية مثل الكهرباء ومدخلات الإنتاج والرسوم الجمركية “الإلتفافية” على هذه المدخلات، لذلك أعتقد بأن صمود الصناعة في الأردن يُسجل لهذا القطاع رغم كل المعيقات الحكومية.

أما القطاع الخدمي فغالبيته تعود ملكيتها لغير أردنيين، مثل شركة زين شركة كويتية وأورانج فرنسية وشركة “أمنية” بحرينية. كما أن 80% من البنوك مالكيها غير أردنيين.

لذلك، نرى أن السياسات التي فرضها علينا صندوق النقد الدولي، نقوم بدفع ثمنها الآن. فعندما قمنا بالخصخصة بعنا أفضل ما لدى الدولة من مقدرات وبأسعار بخسة.

الخصخصة والفساد

نداء الوطن: هل تجد أن خصخصة هذه القطاعات الحيوية ساهمت في علاج حالة الفساد والترهل الإداري في هذه القطاعات، والتي كانت تؤدي إلى تسجيل خسارات في قطاعات لا يمكن أن تخسر كالفوسفات مثلاً؟ أم أن مجرد بيعها بهذه الأثمان البخسة بحد ذاته كارثة؟ 

الزبيدي: لا يوجد إيجابيات في الخصخصة بهذه الطريقة التي تمت بها، صحيح أن الخصخصة نجحت بتحسين الأداء ودفعت بإراحة الدولة من العبء الثقيل من الترهل الإداري، ولكن هذا ناتج عن فساد حكومي وليس نتيجة ملكيتها للقطاع العام. ما تم تحصيله من كافة بيوعات الخصخصة في المرحلة الأولى لم تتجاوز المليار ونصف المليار دينار وهي أقل من قيمة أسهم شركة الفوسفات لوحدها. تم بيع الفوسفات بمائة مليون دينار بما في ذلك المخزون الاحتياطي للدولة، مع ملاحظة أن الأردن الخامس على العالم من حيث احتياطي الفوسفات، وبالتالي كان الأولى بيع الفوسفات كإدارة أو BOT لخمس أو عشر أو حتى عشرين سنة.

صحيح أننا حصلنا على أموال من البيع ولكنه لا يقارن بحجم الأرباح التي حققتها هذه الشركات لاحقاً. كما أن عائدات الخصخصة ذهبت لسداد الديون وليس للتنمية. وعلى الرغم من انخفاض قيمة الدين العام إلا أنها عادت لاحقاً لترتفع وتصل 80% من الناتج المحلي الإجمالي.

فاتورة الكهرباء والمديونية

نداء الوطن: أزمة المديونية في الأردن بدأت منذ عام 1989، ومن ثم تم توقيع اتفاقيات متتالية مع صندوق النقد الدولي، وفي آخر خمس سنوات ارتفعت المديونية بقيمة 9 مليار دينار أردني  أي بمعدل ارتفاع سنوي بما يقارب الــ 2.3 مليار دينار. الديون يفترض بها أن تهدف لتعزيز التنمية، إلا أننا أصبحنا نستدين لسداد الدين، وعندما قمنا بتوقيع الاتفاقية الأخيرة مع صندوق النقد الدولي، وقامت الحكومة برفع أسعار المحروقات وفرض المزيد من الضرائب، استمر الارتفاع في المديونية، فأين ترى مكمن الخلل؟

الزبيدي: بداية علينا أن نتفق بأن صندوق النقد الدولي هو مؤسسة استعمارية لها أهداف سياسية تحققها من خلال القروض التي تقدمها للدول المستدينة.

وإجابة على سؤالك أرى أن الخلل يكمن في الاستدانة، فهي غير مبررة بهذه الطريقة، والدين بحد ذاته قد يكون جيداً إذا تم استثماره في التنمية يحث تفوق عوائد هذه الاستثمارات خدمة الدين، ولكن للأسف عندما يذهب هذا الدين للإنفاق الجاري وشراء السيارات وغيرها فمن الطبيعي أن نصل إلى ما نحن فيه. الحكومات المتعاقبة تتحدث عن أن كلفة الكهرباء هي السبب في ارتفاع المديونية، مع العلم أن هذا الحديث غير دقيق. فنحن في الأردن نقوم بصرف 3200-3300 ميجاواط سنوياً، وهذه كلفتها مع الوقود ومصاريف النقل والكلف الثابتة من رواتب وفاقد وغيره تصل إلى مليار وثلاثمائة مليون دينار. المضحك أن الحكومة تخرج علينا لتقول أن خسارتنا بالكهرباء لهذا العام مليار و800 مليون دينار أردني أي أعلى من قيمة كلفة الكهرباء!! والسؤال الأهم: ألا يقوم الشعب الأردني بدفع فواتير الكهرباء؟!

أنا على قناعة تامة بأن رمي الارتفاع في المديونية على فاتورة الكهرباء هو كلام فارغ وغير موضوعي. على سبيل المثال، نحن الآن نعتمد على الغاز في توليد الكهرباء الذي انخفضت قيمته بنسبة تقارب الــ 50%، في المقابل قامت الحكومة برفع أسعار الكهرباء خلال الثلاث سنوات الماضية ما مجموعه 70%، ومع ذلك تقول الحكومة أن شركة الكهرباء لا تزال تحقق خسارة!!

نداء الوطن: فيما يتعلق بمعدلات النمو الإقتصادي في الأردن، تسجل هذه المعدلات أرقاماً إيجابية وصلت إلى 7% في عام 2006 على سبيل المثال، ولكننا لا نلحظ انعكاس ذلك على الواقع المعيشي للمواطن. كيف تفسر ذلك؟

الزبيدي: الأردن من أسوأ دول العالم في توزيع الاقتصاد على المجتمع. عندما كان معدل النمو 8%، كان معدل الفقر يرتفع. وهذا يعني أن هنالك فئة معينة هي من تجني عوائد هذا النمو وأهمها البنوك وشركات الاتصالات، وبالتالي تبقى ثمار التنمية محصورة في شريحة محدودة جداً، أضف إلى ذلك أن معظم العوائد تذهب لشركات ملكيتها غير أردنية، ما يعني أن الأرباح تذهب خارج الدورة الاقتصادية.

وكي يتم تعديلها، عليك أن تطلق ما يقارب الخمسين ألف مشروع من المشاريع الصغيرة. هذه المشاريع الصغيرة هي التي تساهم في توزيع عوائد التنمية. كما أن التكافل الحقيقي في المجتمع هو في توفير فرص عمل جديدة. لاحظ أن معظم الاستثمارات تذهب للعقار وهي لا توفر فرص عمل حقيقية.

أفول الاقتصاد الأمريكي

نداء الوطن: لننتقل في ختام هذه المقابلة إلى الحديث عن الوضع الإقتصادي العالمي، هل لا تزال الولايات المتحدة هي صاحبة أكبر اقتصاد عالمي وتسيطر عليه بطريقة أو بأخرى، أم أن الصين وروسيا أضحت منافستان حقيقيتان لها؟ وهل التحرك الروسي في سورية مستند إلى واقع إقتصادي جديد؟ أم أنه مجرد مغامرة “بوتينية” غير مدروسة؟

الزبيدي: صعود دول البريكس بدأت في عام 2008 مع ظهور أزمة الديون السيادية. الآن مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) وهي أمريكا واليابان وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا وكندا، تعاني من أزمات إقتصادية وتراجعاً كبيراً باستثناء ألمانيا، فيما مجموعة البريكس (البرازيل، وروسيا والصين وجنوب إفريقيا والهند) التي تشكل أكثر من 50% من سكان العالم، تحقق فائض تجاري لصالحهم ونمو اقتصادي يتراوح ما بين 7-8% سنوياً وهو رقم ليس بالسهل.

الآن الصين وروسيا وإلى حد ما الهند أصبحوا في مرحلة متقدمة من التنافس مع أمريكا التي باعتقادي تدخل مرحلة الأفول، والقوة العسكرية لأمريكا هي التي تغطي على هذا الضعف الاقتصادي.

التحرك العسكري الروسي في سورية دون موافقة أمريكية بل عدم رضا أمريكي، لم يكن له أن يحدث دون تغير في موازين القوى الاقتصادية. وقبل أربع سنوات لم يكن أحد يتخيل أن تقوم دولة بالتدخل في دولة أخرى دون رضى أمريكي.

أمريكا تحاول تنشيط اقتصادها وصناعاتها العسكرية المكلفة جداً من خلال استخدام الإرهاب وداعش كأداة لسحب أموال الخليج والعراق وغيرها.

نداء الوطن: ما هي المؤشرات الاقتصادية لهذا الأفول الأمريكي؟

الزبيدي: العجوز التجارية التي تتزايد في الاقتصاد الأمريكي هي أكبر مؤشر على هذا الأفول. أمريكا تستجدي الصين لتعديل سعر الصرف لليوان (عملة الصين). عندما قامت الصين بخفض سعر صرف اليوان، ارتفعت قدرة التصدير لديها، بعكس الولايات المتحدة التي تشهد تراجعاً في صادراتها نتيجة ارتفاع قيمة الدولار أمام العملات الأخرى.

أمريكا الآن في حالة حيرة، فهنالك توجه لرفع سعر الفائدة وتخفيض سعر صرف الدولار، إلا أن ذلك سيؤدي إلى ضرب الاقتصاد الداخلي. ولذلك فالاحتياطي المركزي الأمريكي يقوم بتأجيل هذه الخطوة منذ أكثر من ثلاثة أشهر. 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى