آراء ومقالاتمقالات

الحرِّيَّةُ لإبراهيم شريف

بقدر ما أُعلِنُ تضامني مع الرفيق إبراهيم شريف، الأمينِ العامِّ السابقِ لجمعيةِ وَعْد البحرينية، وإدانتي لاعتقالِه، فإنّي أُعلِنُ كذلك عن استهجاني للحالِ الذي وصلنا إليه كأمّةٍ ونظامٍ عربيّ، بحيث بات التصريحُ حول الصراعِ العربيّ–الصهيونيّ تُهْمَةًيُحاسَبُ عليها.

المسألةُ والإشكاليةُ لا تكمُنُ في اعتقالِ المناضلِ إبراهيم شريف فحَسْبُ، فهذه ليست المرّةَ الأولى لاعتقالِه، بل في الحالِ الذي وصلنا إليه، بحيث تحوّل النظامُ الرسميّ العربيّ إلى حامٍ للكيان، بل ويُجَرِّمُ مَن يوجِّه نقدًا له.

لاحظوا المفارقة: إنّ الشعوبَ في أوروبا وأمريكا تتحرّك ضدّ جرائمِ العدوِّ الصهيونيّ، وأنظمتُنا تتطوّعُ في الدفاعِ عنه، وعن السلامِ الإبراهيميّ. حتّى ترامب أعرب عن خشيته من تنامي مستوى النقد لإسرائيل في أمريكا.

لا تكمُنُ مشكلةُ الأنظمةِ العربيةِ في استبدادِيَّتِها فحسب، بل في احتقارِها لشعوبِها، لأنّها لا تراها جديرةً بامتلاك حقِّ التعبير عن الرأي. لذلك تراها تتوتّر عند سماعها لأيّ صوتٍ غيرِ الذي اعتادت على سماعه.

ينظرون إلى شعوبِهم كمجرّد رعايا يأكلون ويشربون، وحتى الطعامُ لم يَعُدْ مُتَيَسِّرًا بشكلٍ كافٍ، لكن ليس من حقّهم إبداءُ الرأي في شؤونِ حياتِهم وفي الأخطارِ والأعداءِ الذين يُهدِّدون مصالحَهم وأوطانَهم.

في الوقت الذي يُبدي فيه العدوُّ درجةً أعلى في التطرّفِ والنظرةِ للصراع، ويحافظ على جوهرِه كمشروعٍ استيطانيٍّ استعماريٍّ توسّعيٍّ وعنصريّ، راحت نظرتُنا تنحدر من صراعٍ وجوديٍّ إلى صراعِ حدودِ عامِ ٦٧، إلى سلامِ الشجعان، وتدميرِ الحاجزِ النفسيّ، إلى اكتشافِ أنّنا وإيّاه ننتمي إلى إبراهيم، لذا لم يَعُدْ هناك مبرّرٌ للصراع، حسب قراءةِ “الشيخ ترامب”.

في بلادِنا العربية، إذا رفضتَ الصلحَ ورفضتَ التطبيعَ فأنت إرهابيٌّ، وإذا تصالحتَ مع عدوِّك وتنازلتَ عن حقوقِك فأنت رجلُ سلامٍ تُفتَحُ لك أبوابُ البيتِ الأبيض، حتى لو كنتَ إرهابيًّا بحقٍّ وحقيقة.

رحمك الله يا مظفّر النوّاب؛ هذا الوطنُ الممتدُّ من البحر إلى البحر، سجونٌ مُتلاصِقةٌ، سَجّانٌ يُمسِكُ بسَجّان.

بُنِيَت أوطانُنا على الزبائنيةِ وعلى التدليس، بات الصادقُ والمنتمي لوطنِه وأمّتِه مُتَّهَمًا ومُطارَدًا. حتى ظنّ أصحابُ الباطل، بأصواتِهم العالية وصمتِ أصحابِ الحق، ظنّوا أنّهم على حقّ، كما قال الإمامُ عليّ.

عقولُ كلِّ الشعوبِ والأممِ تتغيّر في عصرِ الشاشاتِ والخوارزميّات، إلا نحن ـ سبحان الله ـ نُحاسَبُ على جملةٍ يمكن أن تُجرِحَ مشاعرَ نتنياهو. بل إنّ البعضَ راح يُفتي بجوازِ الصلح مع الكيان لأنّ اليهودَ أهلُ كتاب.

صراعُنا ليس دينيًّا، سواءٌ كانوا أهلَ كتابٍ أم لم يكونوا، صراعُنا معهم لأنّهم مُحْتَلُّون، ولصوصٌ سرقوا الأرضَ والتاريخَ والتراث.

اظهر المزيد

د. سعيد ذياب

د. سعيد ذياب الأمين العام… المزيد »
زر الذهاب إلى الأعلى
Secret Link