آراء ومقالاتمقالات

الاستبدادُ والإرادةُ والأخلاقُ

لأنَّ الاستبدادَ هو السائدُ في أنظمتِنا، وحتّى في مجتمعاتِنا، فإنَّ تَقَصِّي آثارِ الاستبدادِ وأضرارِه يبقى راهنًا وواجبًا، لأنَّ مثالِبَهُ وعُيوبَهُ لا تقف عند حدودِه السياسيّة، بل تتجاوز ذلك إلى المَسِّ بالمنظومةِ الأخلاقيّةِ للمجتمع، وإعادةِ تشكيلِها من خلالِ التحكُّمِ بإرادةِ المجتمع.

ولِفَهمِ حجمِ التداخُلِ، دعونا نعملُ على فَهمِ دَلالةِ الإرادةِ ومعناها، والأخلاقِ ومرتكزاتِها.

فالإرادةُ هي القُوَّةُ في النَّفسِ البشريّةِ الدافعةُ لصاحبِها لِفِعلِ أمرٍ ما، أو تحقيقِ هدفٍ مُعيَّن.

لذا فإنَّ فِعلَ أمرٍ ما نَتاجَ خوفٍ أو مصلحةٍ لا يَعكِسُ إرادةً واعيةً. وهذا يقودُنا إلى تَدَبُّرِ العلاقةِ الوثيقةِ وتأثيرِ الاستبدادِ على الإرادةِ، والسماحِ بوجودِها أو إلغائِها.

أيُّ فِعلٍ أخلاقيٍّ نَتاجُ الخوفِ أو تحتَ الضغوطِ لا يَجعله فِعلًا أخلاقيًّا، لأنَّه ليس نَتاجَ إرادةٍ واعيةٍ.

ولكن ما هي الأخلاقُ التي تَحرِصُ المجتمعاتُ على الحفاظِ عليها؟

هي تلك المبادئُ التي تُنظِّمُ سلوكَ المجتمع، وتُحدِّدُ ما هو خيرٌ وما هو شرٌّ، مثل: الصِّدقِ، والأمانةِ، والعدالةِ، واحترامِ الآخر… إلخ.

هذه القيمُ الأخلاقيّةُ تتطلّب الحرِّيَّةَ، والحرِّيَّةُ تُشكِّلُ الإرادةَ الواعيةَ التي تسعى للحفاظِ على تلك الأخلاقِ وتكريسِها.

هذا يقودُنا إلى سؤالٍ:

كيف يُؤثِّرُ الاستبدادُ والأنظمةُ الاستبداديّةُ؟ وكيف تَفعَلُ فِعلَها في إعادةِ تشكيلِ الوعيِ المجتمعي، بحيثُ يجعلُ من الطاعةِفضيلةً، ومن النقدِ والاعتراضِ رذيلةً؟

ويتحوّلُ فيها الصمتُ والخوفُ إلى حكمةٍ، والكذبُ والنفاقُ إلى نوعٍ من الذكاء، وتُصبِحُ الولاءاتُ الشخصيّةُ بديلاً عن الإيمانِ بالعدالةِ والقِيَمِ وتحمُّلِ المسؤولية، ويَشيعُ فيها الانتهازيّةُ.

وهذا يتحقّقُ بتغييبِ الإرادةِ.

فالإرادةُ في ظِلِّ الاستبدادِ تُصادَر، ويتحوّلُ الناسُ إلى مجرّدِ روبوتاتٍ تتحرّكُ وَفقَ إرادةِ مُشغِّلِها.

هذا واقعُ شُعوبِنا وأنظمتِنا.

والسؤالُ: كيف نُواجِهُ الاستبدادَ ونَصونُ أخلاقَنا وإرادتَنا الحُرَّةَ والواعيةَ؟

اظهر المزيد

د. سعيد ذياب

د. سعيد ذياب الأمين العام… المزيد »
زر الذهاب إلى الأعلى
Secret Link