الإنكارُ الغربيُّ لوجودِنا كشعوبٍ وأمّةٍ.

المبعوثونَ الغربيّونَ يأتونَ إلينا محمّلينَ بذهنيةٍ عنصريّةٍ مكشوفةٍ وأهدافٍ استعماريةٍ لا تخفى على المراقبِ العاديّ.
توم باراك هذا “المُحنَّط” نموذجٌ لهذه الذهنية.
تحدّث في مقابلةٍ له مع قناةِ الجزيرةِ أنَّهُ لا يوجد “شرقٌ أوسط”، بل توجد عشائرُ وقبائل، وأنّ الدولةَ الوطنيةَ اخترعها البريطانيون والفرنسيون في معاهدةِ سايكس–بيكو، ولم يُخبرنا بأنّ وحدةَ الأمّةِ العربيةِ قد تَمَّ احتجازُ تشكُّلِها من قبل ذاتِ المستعمِرين، بإصرارِهم على تشكيلِ الكياناتِ القُطريّةِ والالتفافِ على مطالبِ الثورةِ العربيّةِ الكبرى. وما زلنا نعاني من تلك السياسة، ولعلَّ التآمُرَ على الوحدةِ السورية–المصرية عام 1958 من كل الاتجاهات أكبرُ دليلٍ على الرعبِ الذي شكّله ذلك النموذجُ الوحدويّ.
يتناسى توم باراك أنّ أمريكا بحدِّ ذاتِها لم تظهر كدولةٍ إلا عام 1776، وأنّها ليست إلّا جُموعًا من المستوطنين الأوروبيين المهاجرين ذوي السوابقِ الجُرمية، وقد تمّ بناءُ كلِّ وجودِهم على حسابِ شعبٍ بسيطٍ مارسوا بحقّه الإبادةَ التّامّة. ولا يخجل الساسةُ الأمريكيون من هذا التاريخِ الأسود، بل اعتبروا هجرتَهم ومجازرَهم تكليفًا رَبّانيًا.
وأوروبا نفسها لم تتشكّلْ فيها الدولةُ القوميةُ إلّا ما بين القرن السادس عشر والقرن السابع عشر.
لكنَّ هذا الغربَ، لماذا يُمارسُ سياسةَ الإنكار ويَرفضُ الاعترافَ بنا كأمّةٍ ويصرّ على التعاملِ معنا كطوائفَ وقبائل؟
أعتقد أنّ الغربَ بنى مشروعه الحضاريَّ الحديث عبر تبنّي مشروعٍ استعماريٍّ يُمارِسُ من خلاله عمليةَ نهبِ ثرواتِ الشعوبِ المستعمَرة.
ولتسويقِ هذا المشروعِ الاستعماري كان يبحثُ عن مُبرِّرٍ أخلاقيٍّ يسمحُ له بممارسةِ الاستعمار تحت ذريعةِ أنّ هذه الشعوب غيرُ قادرةٍ على إدارةِ نفسها بنفسها، وأنّ ما يقومُ به هو لنقلِ هذه الشعوب إلى مرحلةِ الحداثة.
وأوغلَ الغربُ في إنكارِ هُويّاتِنا بل حتى في وجودِنا، كما حصل مع الشعبِ الفلسطيني. فقد كان وعدُ بلفور صريحًا حينما نظر إلى الفلسطينيِّ كطائفةٍ، ولم يتعاملْ معه كشعب، وبالتالي أنكر عليه حقَّ تقريرِ المصير.
ولتسويق هذه الأفكار استغلَّ الغربُ تحكّمَه بمراكزِ إنتاجِ المعرفة: الإعلامِ، ومراكزِ الأبحاث، والجامعات، ليُضفي على تصنيفاته نوعًا من “العِلميّة”، مثل نظرية “مركزيّة الرجل الأبيض”.
هذه النظرة استكملها الغرب بما يُسمّى معركة الوعي، التي يقومُ بها ضدّ شعوبِنا، وبشكلٍ رئيسي بعد دخولِ المنطقة مرحلةَ ما يُسمّى بالسلام بعد اتفاقيةِ كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة ودولِ “السلام الإبراهيمي”.
وإدراكًا من أمريكا و”إسرائيل” أنّ الوعيَ المجتمعيَّ هو الأساسُ لاستمرارِ المقاومة، وأنّ النظامَ التعليميَّ يشكّلُ اللَّبِنةَ الأساسيةَ في بناءِ الهُويةِ الوطنيةِ للنَّشْءِ الجديد، النَّشء الذي يعتزُّ بكرامتِه وانتمائِه، ومن الصعبِ احتواؤه.
ولتَكريسِ ما يُسمّى بالسلام، فإنّ “إسرائيل” وأمريكا تسعيان إلى خلقِ جيلٍ ضعيفِ الانتماءِ وضعيفِ العلاقةِ بالأرض، جيلٍ مستهلكٍ سهلِ الاندماجِ في النظام الجديد.
كانت المدرسة نقطةَ الاستهدافِ الرئيسية باعتبارها القادرةَ على بناءِ ذهنيةٍ مقاومةٍ مستمرةٍ عبر الأجيال، وأصبح تغييرُ المناهجِ هو المطلبَ الثابتَ والمتكرِّرَ في كلِّ البعثاتِ الدولية التي تزور المنطقة تحت ذريعةِ “التطوير والتحديث”. ووصل الأمرُ إلى ربطِ مساعداتِهم بتعديلِ المناهج.
لقد شكّلتْ مسألةُ رفضِ تغييرِ المناهج مسألةً نضاليةً لعمومِ القوى الرافضةِ للتطبيع، لأنّها ترى في هذا التغييرِ المدخلَ لإضعافِ التعليم، وإدخالِ قيمِ السوق، وبناءِ “إنسانٍ” تحكمُه رؤيةٌ فرديّةٌ لا علاقةَ لها بالاحتلال أو المجتمع، وصولًا إلى مجتمعٍ مستسلِمٍ قابلٍ للواقع.
لقد أطلق الغربُ حربَه علينا منذ بدايةِ القرن الماضي، حربًا في كل الاتجاهات، وصولًا إلى صورةٍ جديدةٍ لشرقٍ أوسطٍ ووجهٍ جديدٍ، من خلال تشويهِ وعينا، باعتبار أنّ معركةَ الوعي أقلُّ كلفةً من الحرب.
ورغم هذا فإنّ الكيانَ الصهيونيَّ يدقُّ طبولَ الحرب على كلِّ الجبهات: على إيران وحزبِ الله، ويرفضُ احترامَ وقفِ حربِه على غزة، ويمارسُ تهديدَ اليمن، لأنّ الثنائيَّ الإسرائيليَّ–الأمريكيَّ ينظرانِ إلى كلِّ مقاومٍ بمثابةِ عنصرِ إعاقةٍ لمشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يسعيان إليه.
نحن في معركةٍ فاصلةٍ ستُحدِّدُ مستقبلَ المنطقةِ لعقودٍ. الحذرُ الحذرُ.