مقالات

الإرهاب الذي يدير العالم (5/5) / محمد فرج

وبما أن الجميع مشغول في الكتابة عن الإرهاب القادم من الشرق، فقد فضلت الكتابة عن الإرهاب القادم من الغرب. لأننا عندما نتحدث عن إرهابنا وكأننا نتحدث عنه بعيون غربية، ونتفرج بسذاجة على أنفسنا. إننا غالباً ما نتقمص ثوب عدونا، وهذا ليس ببعيد عن المازوشية التي تربت داخلنا طوال العقود الماضية، ابتداء من التصفيق في الحرب الباردة، وليس انتهاء بالحزن المشروع على شارل إيبيديو أكثر من الحزن الممنوع على أنفسنا.


الإرهاب الذي يدير العالم، متنوع وشامل وكلاني في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتعليم والثقافة. فالمؤسسات المالية الكبرى في العالم هي مؤسسات إرهابية، فعندما يطلب البنك الدولي من الدول الإفريقية تخفيض رواتب المعلمين كي يتسنى لها أخذ دفعة جديدة، إنما هو يرهب هذه الدول، وعندما تتسبب هذه المؤسسات في إعاقة مشروعات التنمية الداخلية في هذه الدول إنما هي تمارس إرهاباً في حقها، علاوة على تحفيز بؤر الإرهاب الذي نعرفه، والذي نعرف كيف “نصفه” جيداً!
القرارات التي ننتظرها من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، وتحديداً تلك المتسقة مع خط العقوبات الدولية إنما هي شك من أشكال الإرهاب المعولم، والذي تديره “نخبة عالمية”.
تمارس المنظمات الممولة أجنبياً إرهاباً اجتماعياً من خلال نشاطاتها في “التنمية الاجتماعية”، فعندما تعمل عن قصد على تسخين قضايا “الأقليات” إنما هي تمارس إرهاباً في حق الأقلية والأغلبية على حد سواء.
أنماط التعليم الجديدة تمارس إرهاباً ذهنياً عالمياً، حيث تقوم على تقسيم العلوم إلى فروع صغيرة تتسق مع آليات تقسيم العمل، وترهب الذهن البشري من محاولات التوسعة والربط والشمول. التوسعة تعني عدم الاختصاص، تعني ولادة “رجل بلا خصال”، مما يعني الموت في سوق العرض والطلب القائم أصلاً على الاختصاص.
صحيح أن الإرهاب الذي يشتعل في بلادنا ظاهرة مهمة للدراسة، بل يمكن اعتبارها صدمة من الصدمات التي تعرض لها العرب، مثل حملة نابليون تماماً، إلا أن دراسة الإرهاب الشرقي بمعزل عن الإرهاب الغربي هو محض سفسطة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى