لآخر المستجدات تابعنا على قناة تلغرام

تابعنا
مقالات

أبو علي مصطفى قائد استثنائي هزم قبره/ علي جرادات

 أكابد الكتابة عن القائد الشهيد أبو علي مصطفى الذي لم أتشرف بمعرفته بالمعنى الشخصي والمباشر سوى لمدة عامين بعد عودته للوطن بصرخته الواضحة كحد السيف: “عدنا لنقاوم، على الثوابت لا نساوم”. ولو شئت تكثيف ما أضافته معرفتي المباشرة لهذا القائد الوطني والقومي التقدمي الكبير لقلت إنه التعرف بالملموس على سِرُّ لماذا ظل أبو علي، وهو العامل ابن القرية الذي لم يتلق تعليماً عالياً، ولم تكن فرصُهُ المتوقعةُ في قيادة أي تنظيم أو فصيل عالية أو مضمونة، مع قائده الحكيم محط إجماع داخل حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية، ولماذا كان واحداً بين مجموعة قادة وطنيين استثنائيين، تصدوا لهوان ما بعد النكبة، وأسسوا للثورة الفلسطينية المسلحة المعاصرة، وأشعلوا شراراتها الأولى، وقادوها لعقود، حروباً ونضالات، في الوطن والشتات، ولماذا اضطلع ، بشكل مبكر، بمواقع قيادية متقدمة، حزبياً ووطنيا ًوقومياً. هنا كانت شهادة الحكيم فيه بعد استشهاده حاسمة حين يقول “تملَّك ابو علي خصائص ومواصفات القائد السياسي والعسكري مبكرا، … فالقائد يتقدم بالحس السياسي والفهم المتميز لحركة المجتمعات وقوانين الصراع بروحية فكرية جمعية مقاومة للانغلاق والانعزال، متزاوجة مع حس شعبي شفاف”.

   ولا عجب. فأبو علي لم يكن فرعاً يابساً في شجرة هرمة، بل كان سروةً باسقةً، تطاول عنان السماء في حقلٍ تربتُه من خصب مرج ابن عامر، حيث شقت معاول أهله تربةً تفوح بكلِّ الخيرِ القادمِ. وفي معمعانِ ثورةٍ عمت فلسطين عام 1936 كان خروجه للحياةِ من صلبِ فدائيٍ رافق القسامَ، وعلى حديثِ ذكرياتِ البطولةِ كان يزهر وعيه، وكان يمتص رحيقَ ذكريات الآباء زاداً يختزنه كمن يخزِّن مؤونة الصيفِ لشتاءٍ مرعدٍ. كانت الذكريات ووجع المشردين حطب نار قلبه المشتعل، وكان يبحث عمن يعطيه من مرجلِ ثورته شرارةً تَحرق سهلاً. فصار الكفاح حياته، منذ دخل إلى معتركِهِ، صلب العود، غير هياب، لم يتعود لوك الكلام، بل تعود أن يختصر كلَّ الطرق إلى روما، وأن يكابد شظفَ العيشِ، لكنه ظل يبحث عن حريةِ العباد والبلادِ:

يعمل هنا، وينتقل هناك حيثما يمكن لبذرةِ ثورةٍ أن تنبتَ شتلةً، من معملِ الزجاجِ إلى مراسلٍ في البنك إلى مصنعٍ للكرتونِ، إلى كلِّ القصصِ الساترةِ لنشاطِه الثوري، من متجرِ أدواتِ الفلاحينَ، إلى مطعمِ الفلافلِ الصغيرِ، وحين يجِدُّ الجدُّ تجده نابض الحركة، في المظاهرةِ وفي التنظيمِ وفي التحشيدِ، وتجده بين رفاق القيد، وفي مقدمة من امتشق السلاح وحارب. لم يعرف مستقرا إلا حيث يكون فيه موقعٌ لنضالٍ، ولم يعرف غير ثبات الموقف، واستقامة الفكر، رغم تعرجات الطريق، وطَّن نفسه على حياة الكفاح، فاستطاب له، وطابت معها النفس الملتحمة بصعوباتها والمتحدية لكل مصاعبها… هناك في سواد أيلول، في أحراش جرش وعجلون، في جنوب لبنان والبقاع وصمود بيروت الأسطوري، في عبور النهر الى الوطن، ينسج شبكة من المقاتلين، يزودهم بالطلقات وكلمات عن الاستمرار والصمود والتضحية، حتى صار ترجمة حقيقية للموقف الثوري الذي لا يساوم على المباديء، وقائداً تمتع بشجاعة الناقد حزبياً ووطنياً، فيما لم تحرفه نقديته الجريئة عن طريق الوحدة، فقد عرف قانون وحدة وصراع الاضداد، كأساس للتطور، فكان صمام أمانٍ وعامل تجسير بين النظرية والممارسة، بين الحزبي والوطني والقومي والأممي، من دون ان يفقد البوصلة، ودون مغالاة في تقدير أهمية كل طرف من اطراف هذه المعادلة التي يتشابك فيها صراعنا الوطني ويشتبك أحيانا.

   ولا عجب أيضاً. فأبو علي لم يكن قائداً وطنياً  يثق بشعبه وتقدمياً ينحاز لطبقاته الشعبية، فحسب، بل كان أيضاً قائداً قومياً لم يفقد ثقته بالجماهير العربية، ولم يعبر عن قنوط منها، بل ظل مراهنا عليها، رغم جفاف الوضع الرسمي العربي وتصحره. وفي هذا السياق يقول: “إن الجماهير العربية التي قاومت الاستعمار وأحلافه وأتباعه عبر تحركها الشامل الواسع، تستطيع اليوم أن تفشل المشروع الصهيوني الأمريكي الساعي لإخضاع الوطن العربي وتصفية قضيته المركزية، وحماية الأمة من عملية سلب ارادتها وثرواتها، إنها قادرة بحركة واسعة ومنظمة على إلغاء الاتفاقات والمعاهدات التي عقدها بعض العرب مع الكيان الصهيوني، وهي قادرة على تبديد كل الأوهام حول سلام مزعوم مع قاتلي الاطفال وقاطعي الشجر وممتهني الكرامة الانسانية”. إنها القناعة الراسخة في فكر ثوري، لا يلمح التناقضات لمحاً، بل يسبر غورها ويبني على اساس قراءتها المتمعنة موقفه وقناعاته.

   أما إذا شئت تكثيف ما أضافته معرفتي المباشرة حول هاجس  أبو علي الأساس لقلت إنه عدم تغييب التناقض الأساس بين الهوية الوطنية الفلسطينية الكفاحية والكيان الصهيوني الفاشي بمشروعه الإقصائي لشطب الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني، خصوصاً جوهرها حق العودة، لب القضية والصراع، و”قنطرة الربط بين المرحلي والإستراتيجي”، بكلماته. ولا عجب أيضاً. فأبو علي قائد قَدَّ البطولة من صوان جبالنا، وبسط صدره واسعا كسهل مرج ابن عامر، حيث رأت عيناه النور في ركنه الجنوبي، جنين القسام. قائد برحيله خسرت فلسطين وشعبها وحركته الوطنية، طودا شامخاً، وخسرت الجبهة الشعبية جوادها الابيض النقي، الجامح المقتحم، الذي لم يتعبه سفر الآفاق. لقد خسر الجميع جبلاً راسخاً ملأته حقول العطاء، شامخ كسارية تخفق فوقها رايات الأحرار، وفارس شق غبار المعارك حتى آخر نبض وما ترجل تَعباً أو هزيمة، وظلت عيناه المتوقدتان ترنوان إلى العلى وآفاق انبلاج شقائق النعمان على ضفاف الجداول. قائد رحل شهيداً، لكن وصاياه ظلت  كتابا مفتوحا للجماهير، لأنه ظل ذاهبا إلى حيث بقعة الدم…الوشم… المصير، لكل من وهب حياته لقضية بحجم قضية العرب المركزية، قضية فلسطين.

   لذلك لم يكن الصاروخ بحاجة الى دليل كي يهتدي لشمس تسطع في سماء الكفاح، بل كانت شمسه اغراء لعدو عنصري فاشي يحترف الحروب ويرفض التسويات. فأبو علي حين وطئت قدماه أرض الوطن عائدا، بدأ يتلمس الواقع الجديد وملحاحية معالجة معادلة الوطن والشتات، وهو ما عبر عنه بالقول: “اقول حقيقة ومن دون رتوش إنني في الخارج لم اكن افهم كل ما يحصل في الداخل، وجودي في الداخل عزز معرفتي بالتفاصيل كاملة، كنت اعرف لكن معرفتي كانت ناقصة… لذا يجب الانتباه وعدم فقدان البوصلة كي نصل إلى نقطة توازن في كيف يفهم الداخل الخارج وبالعكس”. لم يحمل أبو علي موقفا سياسياً عدمياً، بل عبر عن موقفه الرافض لأوسلو بالقول: “حتى الحركات الوطنية التي قادت الكثير من الشعوب فاوضت، لكن متى؟ وكيف؟ وبماذا؟ هذا هو المهم، لقد اختارت لحظة قوتها بالتفاوض، بينما القيادة الرسمية الفلسطينية اختارت لحظة ضعف وتركت كل الاسلحة، وبذلك اوصلتنا الى بؤس الاتفاقات بل أبأسها، بعد ان جردت نفسها من كل الاسلحة وفي مقدمتها الانتفاضة الشعبية”. لقد ظل أبو علي دائما منشدا إلى الوحدة، غير ساع لانقسام، لكن من دون أن يفرط بموقفه. وفي هذا السياق يقول: “رغم الجحيم الذي مثله التناقض في السياسة مع السلطة والقيادة الرسمية، حافظنا على ادارته بمشروعية العمل السياسي والجماهيري، بحكمة ومسؤولية ووعي تام، فنحن في الجبهة الشعبية جزء من حالة وطنية عامة شعبية معارضة موجودة في الوطن والشتات، دورنا فيها ومن خلالها يقوم على مبدأ التعاضد في حماية المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني والنضال من اجل اهدافه العليا”.

   لقد كان أبو علي منافحا عن الديمقراطية التي تولي المؤسسات الوطنية اهمية في اتخاذ القرار بعد ان تكون هذه المؤسسة قد حظيت بالاجماع الشعبي، وبين أوراقه نجد ما كتبه بتاريخ 5/7/2000، ” نؤيد اقامة هيئة تشريعية واحدة موحدة للشعب الفلسطيني، في الوطن والشتات، بل إني دعوت لها في المجلس المركزي حيث تكون هيئة منتخبة ديمقراطيا حيث أمكن، وبالتوافق حيث تعذر، فالحاجة إلى هذه المؤسسة اصبحت ملحة، وهي من مقومات انتزاع حقوقنا في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة”. ما قاله ابو علي يعتبر انتباها مبكراً لاجل انتخاب مجلس وطني جديد،  يكمله بالقول: “علينا البدء باحترام المؤسسة، فبناء المؤسسة هو الذي يقدم الشعب الفلسطيني كشعب مثقف، سياسي، حضاري”، ويضيف: ” هنالك واقع حال سلبي في المجتمع الفلسطيني ، وهنا اطرح تساؤلاً: لماذا لا تبدأ انتخابات للمجالس البلدية والقروية، أو عقد مؤتمرات للاتحادات الشعبية والنقابية، فعلينا البدء من القاعدة الشعبية بالاساس”.

   إذاً، لم يكن أبو علي اسير حزبيته، بل وطنيا ديمقراطيا تقدميا منتميا لتوجهات الجماهير. وفي هذا السياق يقول” هناك حاجة لتشكيل هيئة ذات اختصاص ولا يكون فيها اساس العضوية، التمثيل الفصائلي بل الكفاءة، ويمكن لاي فصيل أن يسمي أو يقترح من يراه مناسبا ليكون عضوا في الهيئة شرط ان لا تكون حيثية عضويته فيها بسبب انتمائه لفصيل بقدر ما هي حاصل حالة مساهمة واغناء وخبرة”. ويضيف، وهو الناقد الجريء لغياب المؤسسة الديمقراطية الفلسطينية : ” الانتفاضة التي تسببت في عقد قمتين عربيتين وقمة إسلامية، لم تنجح في عقد دورة للمجلس العسكري الفلسطيني، وهي الانتفاضة التي تسببت في سقوط حكومة باراك، بينما لم تسقط وزيرا فلسطينيا فاسدا واحدا”. أما عن رهانه الثابت على الجيل الجديد من الشباب، وعن عدم تطيره من كل مظاهر اللامبالاة او الاستنكاف الشبابي في لحظة معينة، فيتبدى في تقييمه الإيجابي لشباب الارض المحتلة عام 67 بعد جولة زار خلالها فور عودته أغلب مدنها وقراها ومخيماتها، حيث يقول: “أهم ما تغيَّر هو أن هناك جيل جديد لم نعرفه نحن بالمعنى الشخصي. كنا نسمع عنه فيما مضى من خلال دوره النضالي، خصوصا في زمن الانتفاضة الشعبية الكبرى المجيدة، وهذا الجيل اصبح بعد 32 عاما هو الاكثرية”.

   هنا يلخص أبو علي ضميره الديمقراطي الواضح الذي وصفه الحكيم بالقول: “إنه الحس الشعبي الصادق، والبوصلة التي تتخذ من الجماهير مركزها ونقطة حركتها، كما يتخذ من الوطني العام أرضية الحركة والانطلاق”. وهو ما انعكس على الصعيد الحزبي، فقد كان أبو علي منشداً لجماعية اتخاذ القرار، وكان قادرا على التمييز بين دور الفرد ودور الهيئة، فهو الذي قال في المؤتمر الوطني السادس للجبهة: “إن الافراد في تاريخ الشعوب والثورات والحركات يلعبون دورا جوهريا، لكن الافراد لا يقررون مصير تنظيم، ما دام هذا التنظيم قائما على اساس ومرتكزات يكون العمل الجماهيري فيها هو الأساس”.  وهو الداعي للتجديد والمتبني له بالقول:” لا نجزم القول على أي حال كيف نكون بعد فترة، إلا أننا نجزم بالجدية على السير نحو التجديد، ولندع الأيام والزمن والناس يقولون كلمتهم في إنجازنا او إخفاقنا”.

   هذا هو ابو علي الذي عرفت بصورة غير مباشرة لعقود، وبصورة مباشرة لمدة عامين. إنه الملح الذي لا يفسد، والضمير الذي لا يصدأ، والعزيمة التي لا تلين، وحارس القيم الثورية الذي لم تضعفه محنة نضال، مهما تعاظمت، أو فتنة حياة، مهما كبُرت. إنه القائد المتواضع غير المشهدي، نظيف اليد والقلب واللسان. إنه القائد الذي عركه الكفاح وعلمه فنون القيادة، وبُعد الرؤية، والحرص الوطني، والانشداد للفقراء. إنه القائد الذي لم يتعب، مؤكدا ” اننا لا زلنا في بداية الطريق، ومشوارنا صعب، وطويل لكننا نسير بالاتجاه الصحيح وبيدنا بوصلة الرؤية السياسية والتنظيمية والفكرية والكفاحية، التي لن تجعلنا نتوه عن الطريق”. إنه القائد الذي خسرته فلسطين والأمة. فحين اغتالوه لم يختاروا عينة عشوائية لاشباع نهم الاجرام الدموي لديهم، او حتى توجيه رسالة سياسية الى طرف فلسطيني آخر، بل انتقوا ضحيتهم بعناية وهم يعرفون سلفا ماذا تمثل لشعبها وانتفاضته.

   لكن بهجة القاتل لم تدم طويلا، فالرجل عاد قطرات دم تتطاول شجراً سامقا يرد الظلم، عاد إلى التراب الذي يحب. حكايته حكاية قادة يتقدمون الصفوف حتى الاحتراق، حكاية رجال يهزمون قبورهم. ولن نقول الآن، بعد 14 على صعوده الى مقام الشهداء ومحرابهم، سوى ما أحوجنا إلى قيادات وطنية قومية استثنائية من طراز أبو علي لمواجهة ظروف الجزر، وانتشال عربة شعبنا من وهدة مشروع التسوية الأميركي ونتائج خيار أوسلو العقيم المدمر، ومن حفرة الانقسام المُهلكة، ومن عتمة الليل الرسمي العربي البهيم. وما أحوجنا لقيادات من طراز أبو علي لقيادة جيل جديد يتلقف راية جيل مضى، ويصنع غده بيديه، يهدم القديم، بما يجعل فلسطين الوطن والقضية، لا الفرد أو الحزب أو الجماعة، تزهو في الحناجر، ويجعل للهتاف طعم الامل بأن من يضحك، هو من يضحك أخيراً. وأختم: نتجشم مخاطر الكتابة هنا عن قائد رمز ومعلم شهيد، لا لنمارس رياضة اللسان ، بل لنقدمه كقدوة، هي افضل من الف موعظة، وكنموذج حي في الدمج بين القول والممارسة، في جسر الهوة بين النظرية والتطبيق، وفي تعميد المواقف بعرقِ ودمِ وتعبِ النشاط اليومي المثابر. وهو ما يعطي الكتابة هنا طابع المخاطرة، ليس لأن أبو علي إشكالي، بل لان تكرار الحديث عن الشهداء في تعداد المناقب مختصرة وموجزة بات إشكاليا، وتلخيصيا، يُفقد التفاصيل دورها في تكوين الجوهر العام لكل شخصية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى